في مقام الدعاء على ذلك الرجل، وفي نفس الوقت تصحيح لخطئه. ولذلك لما زُجر الرجل بهذا الدعاء، تعلمّ التصحيح، وانقاد إلى الصواب، فركب هذه البدنة امتثالًا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورجوعًا إلى الصواب.
2 -ويشتدّ استعمال الدعاء، وإرادة معناه الحقيقي، من نزول العقاب على المخالفين، والمعاندين، وذلك عند ما لا ينقاد المخطئ إلى تصحيح الخطأ وفعل الصواب، بل يصرُّ على خطئه، ويكون ذلك الخطأ عظيمًا من كفرٍ، وحربٍ لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام.
ومثل ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول، حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة .. (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين؛ اللهم اشدد وطأتك على مضر. واجعلها عليهم كسني يوسف. اللهم العن لحيان، ورعلًا، وذكوان، وعصيّة عصت الله ورسوله) [1] .
فهذا الحديث يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخدم أسلوب الدعاء على الكفار المعاندين والذين حاربوا الله ورسوله، فاستخدم الدعاء عليهم في القنوت في الصلاة مما يدل على أهمية هذا الأسلوب - الدعاء - في تصحيح الخطأ وخصوصًا إذا كان عظيمًا، مثل فعل هؤلاء الذين دعا عليهم بعمومهم، أو الذين دعا عليهم بأشخاصهم كما دعا على أبي جهل بن هشام، وغيره في دعائه عليه الصلاة والسلام: (اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط) [2] .
ففي هذا الحديث مع الذي قبله يظهر أن أسلوب الرِّفق واللِّين لا ينفع مع مثل هؤلاء القبائل، ولا هؤلاء الكفار، ولذلك يُعدل إلى استخدام الشدّة، والقسوة، وذلك لمَّا ظهر من أولئك - القبائل والأفراد - من
(1) أخرجه البخاري في عدة مواضع، ومنها كتاب الأذان، باب: يهوي بالتكبير حين يسجد حديث رقم (804) ومسلم (واللفظ له) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة حديث رقم (675) .
(2) أخرجه البخاري كتاب الوضوء، باب إذا أُبقي على ظهر المصلي قذر، أو جيفة لم تفسد صلاته، حديث رقم ... (240) ، ومسلم كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى المشركين والمنافقين حديث رقم (1794) .