تحت أيديكم) [1] .
وقد رواه البخاري في كتاب الإيمان، وبذا يدخل في موضوعنا، وهو تصحيح الأخطاء في العبادات، إذ أن من بقي فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك لا يخرج عن الإيمان بها، سواء كانت من الصغائر أم الكبائر، كما قاله ابن حجر رحمه الله [2] .
وفي هذا الحديث يتّضح لنا كيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبّخه على فعله ذلك، وهو تعيير المملوك بأمه، «وهذا التعيير من أخلاق الجاهلية .. وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم، ففيه النهي عن التعيير وتنقيص الآباء والأمهات، وأنه من أخلاق الجاهلية» [3] .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - أعلمه أن ذلك لا يجوز له، وقد جاء هذا الإعلام على شكل تعنيف وتوبيخ، مع أن منزلة أبي ذرّ رضي الله عنه، ومكانته من النبي - صلى الله عليه وسلم - معلومة، وهو في الذروة العالية من الإيمان، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنما وبخّه بذلك تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك، لأنه وإن كان معذورًا بوجه من وجوه العذر، لكن وقوع ذلك من مثله يُستعظم أكثر ممن هو دونه» [4] .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما عنَّفه ووبَّخه، لم يسترسل في تعنيفه وتوبيخه بشيء من فضول الكلام وقبيحه، وهذا من كمال أدبه - صلى الله عليه وسلم -، وحسن أخلاقه، وحكمته حيث يضع الأمور في مواضعها، ويختار لكل شخص ما يناسبه [5] .
ولقد ظهر أثر هذا التّصحيح على أبي ذرٍّ رضي الله عنه، حيث فهم منه أنه يراد منه الرجوع إلى الصواب، ولذلك لما رآه المعرور بن سويد - راوي الحديث - كان في قمَّة تصحيح خطئه ذلك، حيث ألبس مملوكه مثل لباسه، وعامله معاملة حسنه، وما ذلك إلا انقيادًا للتصحيح، وانتهاءً عما نهى عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفرَّ صاحبها بارتكابها إلا بالشرك: حديث رقم (30) ، ومسلم كتاب الأيمان باب: إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه حديث رقم (1661) .
(2) فتح الباري: 10/ 107.
(3) شرح صحيح مسلم للنووي: 4/ 291.
(4) فتح الباري: (1/ 107)
(5) انظر الترهيب في الدعوة ص 87، وتربية الأولاد في الإسلام: 2/ 723.