ولكن أردت أن أشرح تعابير أهل العلم ومرادهم من تعريف الإرسال، والحديث المرسل، حتى إذا نقلنا أقوالهم في قبول الحديث المرسل ورده، علم الذي أرادوه، وتمحصت من عباراتهم أشياء يظنها من لا علم عنده اختلافا، والحاصل أنها ليست كذلك.
فاعلم أن كثيرا ممن يشتغل بالفقه والأصول، بل وبعض من يشتغل بالحديث، يطلقون المرسل ويعنون بذلك الحديث المنقطع، الذي سقط من إسناده أحد الرواة.
منهم: الخطيب، وابن الأثير، والشافعي، وأبو زرعة، ويحيى بن معين وغيرهم [1] .
فإذا رأيت مثل هؤلاء يقول: لا يحتج بالحديث المرسل، فإنما يعنون: لا يحتج بالمنقطع - عندنا - ونحن لا نخالفهم في ذلك.
ولذلك قال أبو العباس القرطبي - أحد المتأخرين من أئمة المالكية - في كتابه"الوصول": المرسل عند الأصوليين والفقهاء عبارة عن الخبر
الذي يكون في سنده انقطاع، بأن يحدث واحد منهم عمن لم يلقه ولا أخذ عنه.
وخص كثير من المحدثين اسم المرسل بما سكت فيه عن الصحابي واسم المنقطع بما سُكت فيه عن غيره [2] . انتهى.
وقد نقل الحاكم عن أكثر أئمة الحديث أنهم إنما يريدون بالحديث المرسل الذي نريده، وهو ما سقط صحابيه من الإسناد، ورفعه التابعي للنبي (، ثم قال:
وأما مشايخ أهل الكوفة، فيطلقون معنى المرسل لكل من أرسل الحديث من التابعين وأتباع التابعين، ومن بعدهم من العلماء، فإنه عندهم مرسل محتج به [3] .
قال العلائي بعد إيراده [4] : وهذا قول الحنفية بأسرهم.
قلت: فهذا في عرف أهل الاصطلاح المعضل، وهو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، يسميه الحنفية مرسلًا.
(1) انظر المراسيل لابن أبي حاتم (127) - الكفاية (384) - جامع الأصول (1/ 62 - 64) .
(2) جامع التحصيل ص (27) .
(3) معرفة علوم الحديث ص (27) .
(4) جامع التحصيل ص (29) .