تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتَّخذ مكانها مساجد:"... كأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته، وأبو بكر رِدْفه، وملأُ بني النجار حوله، ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وإنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار، فقال: (( يا بني النَّجار، ثامِنوني بحائطكم هذا ) )، قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبور المشركين فنُبِشت، ثم بالخرب فسوِّيت، وبالنخل فقُطع، فصفُّوا النخل قِبلة المسجد، وجعلوا عِضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، والنبي - صلى الله عليه وسلم - معهم وهو يقول:"
اللهم لا خيرَ إلا خيرُ الآخِرَهْ = فاغفِرْ للأنصار والمُهاجِرَهْ
-قلت: فلم يكتفِ - صلى الله عليه وسلم - بتسوية الأرض على القبور، بل أمر بنبشها وإخراج ما بها من الرميم.
ونقل شيخ أهل الحديث في كتابه (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) ص 85: قال العلامة الحافظ محمد بن عبدالهادي في (الصارم المنكي) ص 136 - 137:
وإنما أُدخلت الحجرةُ [1] في المسجد في خلافة الوليد بن عبدالملك، بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتًا جابر بن عبدالله، وتوفِّي في خلافة عبدالملك، فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد [2] وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك.
-قلت: فالحاصل أن إدخال الحجرة في المسجد كان أمرًا سلطانيًّا، ولم يكن اتباعًا لسنَّة، أو عملًا بمشورة أحدٍ من الصحابة رضوان الله عليهم، والله أعلم؛ اهـ.
كما نقل الشيخ في (تحذير المساجد) ص 97 قول شيخ الإسلام ابن تيمية في (الجواب الباهر. ق 9/ 2) :
أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سُد بابُها، وبُنِيَ عليها حائطٌ آخر؛ صيانة له - صلى الله عليه وسلم - أن يُتخذ بيتُه عيدًا، وقبرُه وثنًا؛ اهـ.
-قلت: فلا يمكن أن يقال في هذا العمل - أعني إدخال القبر المسجدَ - إلا أنه محدَثة ليس لها دليلٌ من كتاب ولا من سنَّة، مهما اتُّخذت له الأعذارُ من قصد توسعة المسجد أو نحوه، مع ما نرجوه من مغفرة الله
(1) يعني: الحجرة النبوية، وهي حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
(2) يعني: إعادة بناء المسجد.