فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 242

* وذهب آخرون إلى أن ذلك لا يحتاج إلى إذن، وهو الأقيس عند الغزالي.

-قلت: والأخير أقربُ إلى الفتنة وإثارة الشغب، إلا أن يكون لضرورة ملحَّة يخشى معها أن تفوت مصلحةٌ عامة للمسلمين، ويمكن قياس ذلك على تولي خالد بن الوليد إمارةَ الجيش [1] بغير إمرةٍ، حينما خاف على المسلمين الهزيمة؛ اهـ.

تنبيه:

قال المصنف: هذا الذي ذكرناه في هذا التقسيم والذي قبله إنما هو فيما إذا كان المنكَرُ على غير السلطان، فإذا كان السلطان فليس لأحد منعُه بالقهر باليد، ولا أن يشهر عليه سلاحًا، أو يجمع عليه أعوانًا؛ لأن ذلك تحريكٌ للفتن، وتهييجٌ للشرِّ، وإذهابٌ لهيبة السلطان من قلوب الرعية، وربما أدى ذلك إلى تجرُّئهم على الخروج عليه وتخريب البلاد.

قال: وأما الإنكار على السلطان بالسبِّ وتخشين الكلام، كقولك: يا ظالم، يا جائر، يا فاسق، يا مَن لا يخاف الله، ونحو هذا الكلام، فينظر ... إن علم أن شرَّ ذلك يتعدى إلى غير القائل لم يجُزْ له الإقدام عليه كما في غير السلطان.

وإن كان لا يخاف إلا على نفسه، كان ذلك جائزًا بل مندوبًا إليه؛ لأن فيه تعريضًا للشَّهادة، كما جاء في الأحاديث المتقدمة: (( إن أفضل الشهداء حمزة بن عبدالمطلب، ورجل قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله ) ) [2] ، و (( إن أفضلَ الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطان جائر ) ) [3] .

* وقال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في أحكام القرآن [4] : من رأى منكرًا يرجو زواله، وخاف على نفسه من تغييره، الضرب والقتل، جاز له الاقتحام عند أكثر العلماء عند هذا الغرض، وإن لم يرجُ زواله فأي فائدة فيه؟!

قلت: فالشرط رجاء زوال المنكر، وإلا فيُخشى على المنكِر الرياءُ وطلبُ السمعة.

(1) (( حديث صحيح رواه البخاري: كتاب الجهاد، باب من تأمَّر في الحرب بغير إمرة(6/ 125) ، من حديث أنس، ولفظه: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( أخذ الرايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة، ففتح عليه ... ) ).

(2) (( من حديث جابر بن عبدالله، أخرجه الحاكم والضياء، وهو حسن بلفظ (( سيد الشهداء حمزة ... ) )؛ صحيح الجامع (3669) .

(3) (( سبق تحقيقه في الباب الأول، من حديث أبي سعيد الخدري، وهو صحيح بلفظ: (( أفضل الجهاد ... ) ).

(4) (( الإمام أبو بكر بن العربي: محمد بن عبدالله بن أحمد، المعروف بابن العربي المعافري الإشبيلي المالكي، ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة، ومات سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، كتابه: أحكام القرآن في أربعة مجلدات، من كبار أئمة المذهب المالكي، وليس هو ابنَ عربي الصوفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت