* قال الله - تعالى - حكاية عن وصية لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .
قال المصنف: فإن قلت: فأي شيء يميز النيةَ الصالحة الخالصة، من المشبوهة الفاسدة؟ وما العلامة في ذلك والمعيار في صحته؟
قلت: محكُّ الاعتبار في ذلك أن يرى المنكِرُ نفسَه كالمكرَه على هذا الفعل، ويود أن لو تصدى له غيرُه وكفاه الله به، ويحب ألا يعلم به أحدٌ من الناس اكتفاءً بعلم الله - تعالى - واطلاعه عليه، ويختار الكلام مع السلطان في الخَلوة على الكلام معه على رؤوس الأشهاد، بل يود لو كلمه سرًّا، ونصحه خفية من غير ثالث لهما، ويكره أن يقال عنه، أو يحكى ما اتفق له، وأن يشتهر بذلك بين العامة، بل لو أثَّر كلامُه وغيِّر المنكرُ بقوله ثم اشتهر عند الناس نسبتُه إلى غيره لَمَا شق عليه ذلك، ولو حصل له مع زواله (يعني المنكَر) ازدراءٌ وسبٌّ وتغليظ كلام وذمٌّ بين الناس أو إعراض أو هَجر ممن عادته المودةُ له وغير ذلك من الأحوال التي تكرهها النفوس، وإن كان في إنكاره تعرُّض للقتل، فتراه لا يفرق بين أن يُقتلَ سرًّا أو في ملأ بين الناس.
قال المصنف: فهذه كلها من علامات الإخلاص، وحُسن القصد، وابتغاء وجه الله - تعالى - والدار الآخرة، وأما غير المخلص فبضد ذلك كله.
فائدة:
* عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خاف قومًا قال: (( اللهم إنا نجعلُك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم ) ) [1] .
* وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إذا أتيت سلطانًا مهيبًا تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر، الله أعز من خَلقه جميعًا، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو، الممسك السمواتِ السبعَ أن تقع على الأرض إلا بإذنه، من شرِّ عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس، اللهم كن لي جارًا من شرهم، جل ثناؤك، وعز جارُك، وتبارك اسمك، ولا إله غيرك"، ثلاث مرات [2] ."
مسألة:
(1) (( صحيح الإسناد، أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي؛ قاله الشيخ في تحقيق الكلم الطيب، ص 75، طبعة المكتب الإسلامي.
(2) (( رواه ابن شيبة في مصنفه وابن مردويه في كتاب الأدعية، وزاد بعد قوله:"والإنس": اللهم إنا نعوذ بك أن يفرُطَ علينا أحدٌ منهم، أو أن يطغى، موقوفًا على ابن عباس؛ تنبيه الغافلين.