فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 392

والدّرِّ وغيرهما التي تعقل أي تحرس وتمنع] [1] .

فالعقل في كل معانيه ومشتقاته هو الربط والإمساك والكف والمنع.

وللعقل في الفلسفة اليونانية إطلاقات؛ أحدها يراد به عقل الإنسان؛ ذلك العَرَض القائم به، وآخر يراد به العقل المفارق للمادة، وهو جوهر قائم بنفسه لا يدركه الفناء، ومنه تفيض الصور إلى عالم الكون، ومنه يستمد العقل الإنساني المعرفة ويطلق عليه العقل الفعّال، وأحيانا العقل الكلي، وذهب بعضهم إلى أنه الله، وذهب بعض الفلاسفة الذين يدَّعون الإسلام إلى مثل ذلك، وذهب الفارابي إلى أنه الروح القدس، وللغزالي أقوال تثبت للعقل الصفتين، بل أكثر من ذلك، تعالى الله عما يقول الكافرون والضالون علوًا كبيرًا، وستمر معنا بعض أقوالهم إن شاء الله وهناك عقول أخرى عدها الفلاسفة إلى تسعة، ومنهم إلى عشرة تتحرك في الأفلاك.

أما إذا انتقلنا إلى الفلسفة الحديثة فسنجد أن هناك اتجاهات أو مذاهب متعددة تجاه العقل، فهناك المذهب العقلي الذي يعتبر أن العقل هو المحك والمقياس للحقائق، ومنها حقائق الوحي المتمثلة بكتب الله - جل جلاله - وسنن رسله صلوات الله عليهم، وبالتالي فما لا يتماشى مع العقل ينبغي رفضه، وعلى ذلك سار"اسبينوزا"و"شتراوس"وغيرهما، وبهذا القول يقول العلمانيون - اللادينيون - من العرب وغيرهم مثل محمد عمارة وأضرابه.

وقد وجدَتْ أقوال الفلاسفة طريقها إلى عالم الإسلام والثقافة الإسلامية عبر المحفل الماسوني والماسونيين والفرق الضالة، فهناك الفلاسفة ومن نحى نحوهم من المعتزلة والمتكلمين، يعتقدون أن العقل أصل الأدلة وأساسها، لأن دلالته يقينية، بينما دلالة الشرع - في زعمهم - ظنية، وقد رتبوا على ذلك عددًا من اللوازم، من أهمها أن يقدم العقل على النقل - أي على كلام الله - جل جلاله - وكلام رسله - عند التعارض؛ بل عند توهم التعارض أو احتماله. فأي كلام لله - جل جلاله - أو لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يروق لهم أو يحتمل أن يقف أمام رغباتهم وأهوائهم المستقبلية يواجه ب -"فيتو أهوائهم"ويسقطونه من الاعتبار. تعالى الله عمَّا يقول الكافرون المرتدون العلمانيون - اللادينيون - علوًا كبيرًا، وعندهم أيضا أن الثواب والعقاب والحسن والقبح مرتب على حكم العقل، وأن حجة الله تعالى قائمة على الخلق بحكم العقل لا بحكم الشرع.

والأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وهدي سلف الأمة تدحض هذه الأقوال. إذ يقول تعالى: {إن الحكم إلا لله} لا للعقل ولا للأهواء. وسيأتي شيء من التفصيل إن شاء الله.

وبالمقابل قام فريق فأنكر أي دور للعقل وعطله عن أي عمل، كحال بعض الصوفية الذين يوجبون على المريدين أن يكونوا كالأموات بين يدي المغسِّل. وقد هدى الله تعالى أهل السنة والجماعة إلى أن يكونوا أمة وسطا بين الضلالَين ليكونوا ظاهرين على الحق قائمين لله بالحجة على عباده إلى قيام الساعة، فأثبتوا أن للعقل

(1) - المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ص\342

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت