ولما دخل الصليبيون سواحل الشام من إنطاكية وتوغلوا فيها. حتى وصلوا إلى المعرة، وكانت الشام إذ ذاك تحت الحكم العبيدي لم يحرك العبيديون ساكنًا. قال صاحب النجوم الزاهرة: [وكان أخذ المعرة في ذي الحجة بعد أخذ أنطاكية - سنة 480 هـ - ولما وقع ذلك اجتمع ملوك الإسلام بالشام وهم رضوان صاحب حلب، وأخوه دقماق وطغتكين[1] وصاحب الموصل وسكمان بن أِرتق [2] صاحب ماردين وأرسلان شاه [3] صاحب سنجار ولم ينهض الأفضل [4] بإخراج عساكر مصر، وما أدري ما كان السبب في عدم إخراجه مع قدرته على المال والرجال] [5] .
[وأما أخذ بيت المقدس فكان في يوم الجمعة ثالث عشرين شعبان سنة اثنين وتسعين وأربع مئة ... وكان بالقدس افتخار الدولة من قبل المستعلي بالله خليفة مصر ... فانهزم المسلمون فنزلوا إلى البلد وهرب الناس إلى الصخرة والأقصى واجتمعوا بها فهجموا عليهم وقتلوا في الحرم مئة ألف وسبوا مثلهم وقتلوا الشيوخ والعجائز وسبوا النساء، وأخذوا من الصخرة والأقصى سبعين قنديلا منها عشرون ذهبا في كل قنديل ألف مثقال ومنها خمسون فضة ... هذا كله وعسكر مصر لم يحضر] [6] .
وفي سنة 496 هـ تولى الآمر بأحكام الله العبيدي على مصر.
[قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي في تاريخ الإسلام: (كان رافضيًا كآبائه فاسقًا ظالمًا جبارًا متظاهرًا بالمنكر واللهو، ذا كبر وجبروت وكان مدبر سلطانه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش.
ولي الأمر وهو صبي فلما كبر قتل الأفضل وأقام في الوزارة المأمون أبا عبد الله محمد بن مختار بن فاتك البطائحي. فظلم وأساء السيرة ... وفي أيام الآمر أخذ الفرنج عكا سنة سبع وتسعين وأربع مئة. وأخذوا طرابلس في سنة اثنين وخمس مئة وتسلموا تبنين [7] . وتسلموا صور وأخذوا بيروت بالسيف في سنة ثلاث وخمسمائة، وأخذوا صيدا سنة أربع وخمس مئة ثم قصد الملك بردويل الإفرنجي مصر ليأخذها ودخل الغرما
(1) - طغتكين صاحب دمشق الملك أبومنصور طغتكين الأتابك، من أمراء السلطان تتش بن ألب أرسلان السلجوقي، فزوجه بأم ولده دقاق، فقتل السلطان، وتملك بعده ابنه دقاق، وصار طغتكين مقدم عسكره، ثم تملك بعد دقاق. وكان شهما شجاعا، مهيبا مجاهدا في الفرنج، مؤثرا للعدل، يلقب ظهير الدين. قال أبويعلى بن القلانسي مرض ونحل، ومات في صفر سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة
(2) - سكمان بن أرتق تركماني الأصل، خلف والده في إمارة حلوان والجبل، حتى قصده الأفضل شاهنشاه من مصر بالعساكر وأخذهما منه سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، فر هووأخوه إبلغازي إلى بلاد الجزيرة الفراتية وملكا ديار بكر.
(3) - نور الدين أرسلان شاه الحافظ نور الدين أرسلان شاه ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب صاحب قلعة جعبر. أقام بجعبر مدة، وكان كثير الأموال، خاف في أواخر أيامه من الخوارزمية ; لأنهم أغاروا مرات على أعماله فسلم جعبر لصاحب حلب الملك العزيز، وعوضه عنها بعزاز من أعمال حلب، فقدم حلب على أخته الصاحبة، ثم إنه مات بعزاز في سنة أربعين وست مائة كهلا.
(4) - وهوالأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي الأرمني وزير المستعلي بالله العبيدي الفاطمي.
(5) - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لجمال الدين أبوالمحاسن 5/ 147.
(6) - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لجمال الدين أبوالمحاسن 5/ 149.
(7) - بلدة مطلة على بانياس.