فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 392

فوقف عليه، وقال: ألم ننهكم عن هذا! فقال: يا سيدي، أما كان الناس يسهرون لما كانوا يتعيشون بالنهار! فهذا من جملة السهر. فتبسم وتركه، وأعاد الناس إلى أمرهم الأول وكان يعمل في الحسبة بنفسه ويدور في الأسواق على حمار له، وكان لا يركب إلا حمارا، فمن وجده قد غش في معيشته أمر عبدا أسودا معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى، وكان منع النساء من الخروج من منازلهن، وأن يطلعن من الطاقات أو الأسطحة، ومنع الخفافين من عمل الأخفاف لهن، ومنعهن من دخول الحمامات، وقتل خلقا من النساء على مخالفته في ذلك، وهدم بعض الحمامات عليهن، ومنع من طبخ الملوخيا. وله رعونات كثيرة لا تنضبط، فأبغضه الخلق، وكتبوا له الأوراق بالشتم له ولأسلافه في صورة قصص، حتى عملوا صورة امرأة من ورق بخفها وإزارها، وفي يدها قصة فيها من الشتم شيء كثير، فلما رآها ظنها امرأة، فذهب من ناحيتها وأخذ القصة من يدها، فلما رأى ما فيها غضب وأمر بقتلها؛ فلما تحققها من ورق، ازداد غضبا إلى غضبه، وأمر العبيد من السود أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال والحريم، ففعلوا، وقاتلهم أهل مصر قتالا عظيما ثلاثة أيام، والنار تعمل في الدور والحريم. واجتمع الناس في الجوامع، ورفعوا المصاحف، وجأروا إلى الله واستغاثوا به، وما انجلى الحال حتى احترق من مصر نحو ثلثها ونهب نحو نصفها، وسبي حريم كثير وفعل بهن الفواحش. واشترى الرجال من سبي لهن من النساء والحريم من أيدي العبيد.

قال ابن الجوزي: ثم زاد ظلم الحاكم، وعنَّ له أن يدعي الربوبية، فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون: يا واحد، يا أحد، يا محيي يا مميت!] [1] .

(1) - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي 1/ 601 - 603.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت