وهرب هو. وشاع الحديث في دعواه الربوبية، وتقرَّب إليه جماعة من الجهال، فكانوا إذا لقوه قالوا: السلام عليك يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت، وصارت له دعاة يدعون أوباش الناس، ومن سخف عقله إلى اعتقاد ذلك، فمال إليه خلق كثير طمعا في الدنيا والتقرب إليه. وكان اليهودي والنصراني إذا لقيه يقول: إلهي قد رغبت في شريعتي الأولى فيقول الحاكم: افعل ما بدا لك، فيرتد عن الإسلام.
وقال الشيخ شمس الدين في تاريخ مرآة الزمان: (رأيت في بعض التواريخ بمصر أن رجلا يعرف بالدرزي قدم مصر، وكان من الباطنية القائلين بالتناسخ، فاجتمع بالحاكم وساعده على ادعاء الربوبية وصنف له كتابا ذكر فيها أن روح آدم عليه السلام انتقلت إلى علي بن أبي طالب، وأن روح علي انتقلت إلى أبي الحاكم، ثم انتقلت إلى الحاكم. فنفق على الحاكم وقربه وفوض الأمور إليه، وبلغ منه أعلى المراتب، بحيث إن الوزراء والقواد والعلماء كانوا يقفون على بابه ولا ينقضى لهم شغل إلا على يديه. وكان قَصْدُ الحاكم الانقياد إلى الدرزي المذكور فيطيعونه. فأظهر الدرزي الكتاب الذي فعله وقرأه بجامع القاهرة؛ فثار عليه الناس وقصدوا قتله فهرب منهم؛ وأنكر الحاكم أمره خوفا من الرعية، وبعث إليه في السر مالا، وقال: اخرج إلى الشام وانشر الدعوة في الجبال، فإن أهلها سريعو الانقياد. فخرج إلى الشام، ونزل بوادي تيم الله ابن ثعلبة، غربي دمشق من أعمال بانياس، فقرأ الكتاب على أهله، واستمالهم إلى الحاكم وأعطاهم المال، وقرر في نفوسهم الدرزي التناسخ، وأباح لهم شرب الخمور والزنا، وأخذ مال من خالفهم في عقائدهم وإباحة دمه؛ وأقام عندهم يبيح لهم المحظورات إلى أن انتهى) .] [1] .
وقال الإمام السيوطي عن المعز: [ومن غرائبه أنه استوزر رجلا نصرانيا يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهوديا اسمه ميشا فعز بسببهما اليهود والنصارى على المسلمين في ذلك الزمان، حتى كتبت إليه امرأة في قصة في حاجة لها تقول: بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا، وأذل المسلمين بك؛ لما كشفت ظلامتي! فعند ذلك أمر بالقبض على هذين وأخذ من النصراني ثلاث مئة ألف دينار، وولى بعده ابنه الحاكم، فكان شر الخليقة، لم يل مصر بعد فرعون شر منه؛ رام أن يدعي الإلهية كما ادعاها فرعون، فأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفا إعظاما لذكره، واحتراما لاسمه؛ فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين. وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجدا؛ حتى أنه يسجد بسجودهم في الأسواق الرعاع وغيرهم. وكان جبارا عنيدا، وشيطانا مريدا، كثير التلون في أقواله وأفعاله؛ هدم كنائس مصر ثم أعادها، خرب قمامة ثم أعادها، ولم يعهد في ملة الإسلام بناء كنيسة في بلد الإسلام قبله ولا بعده إلا ما سنذكره.
وقد نقل السبكي [2] الإجماع على أن الكنيسة إذا هدمت ولو بغير وجه لا تجوز إعادتها.
ومن قبائح الحاكم أنه ابتنى المدارس، وجعل فيها الفقهاء والمشايخ، ثم قتلهم وخربها، وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهارا وفتحها ليلا؛ فامتثلوا لذلك دهرا طويلا حتى اجتاز مرة بشيخ يعمل في التجارة أثناء النهار،
(1) - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لجمال الدين أبوالمحاسن 4/ 176 - 185.
(2) - عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبونصر: قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث. ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها.