[وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، والظهور بالدرجة في قلبه، ولذلك يسمَّى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل: رفيع الدرجة، فكثَّر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة أعطت كل درجة مجلَّى إلهيًا عُبد فيها، وأعظم مجلًّى عُبد فيه وأعلاه الهوى، كما قال: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، فهو أعظم معبود، فإنه لا يُعبد شيء إلا به.
وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى ... ولولا الهوى في القلب ما عُبد الهوى ... والعارف المكمّل من رأى كل معبود مجلّى للحق يعبد فيه].
وقد صدق في أنه يعبد الهوى وليس العقل، وقال ذلك دون مواربة أو تمويه، ومع أنها جرأة في الكفر، و الجرأة في هذه المواضع مذمومة، إلا أنه أبان عن القصد بشكل يزيل اللبس عن من يمكن أن يُخْدَع بأقوال عبدة الأهواء.
ولقد ردَّ كثير من العلماء على طائفة عبدة الهوى، ومن هؤلاء العلماء:
1 -ابن حزم حيث قال: [وقال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمنْ أَضَلُّ مِمنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى منَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين} . فمن حكم في دين الله عز وجل بما استحسن وطابت نفسه عليه دون برهان من نص ثابت أو إجماع، فلا أحد أضل منه، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان] [1] .
2 -وقال ابن تيمية: [فإن أصل الهوى محبة النفس، ويتبع ذلك بغضها، ونفس الهوى - وهو الحب والبغض الذي في النفس - لا يلام عليه؛ فإن ذلك قد لا يملك، وإنما يلام على اتباعه؛ كما قال تعالى: {يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الاَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ - إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: {ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، وكلمة الحق في الغضب والرضا. وثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه} . والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض، ووجد وإرادة؛ وغير ذلك، فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؛ بل قد يصعد به الأمر إلى أن يتخذ إلهه هواه، واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات؛ فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين؛ كما قال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمنْ أَضَلُّ مِمنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى منَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ ... الظَّالِمِينَ} ... ولهذا كان من خرج عن موجب
(1) - الأحكام لابن حزم (1/ 134) .