مسخ الدين ليتناسب مع أفكار سادتهم. فقامت بتقرير كل نخامات العقل الأوربي وحاكمت إليه الدين فوصلوا إلى نتائج لا تقل سوءً عما وصل إليه أسلافهم في الضلال.
ونسي هؤلاء أو تناسوا أنه بقدر ما يوجد بشر يوجد عقول و كل امرئ حكيم على طريقته، وكما تختلف الأذواق تختلف العقول، وأن كل امرئ راضٍ بعقله، فعندما يدعون إلى تحكيم العقل فهذا يعني أن كل داعية من هؤلاء يقول للناس اتبعوني. واتركوا الله تعالى والرسول - صلى الله عليه وسلم - والقرآن، فهو مدعٍ للألوهية والرسالة، عرف أو لم يعرف قصد أو لم يقصد لأنه نبذ التحاكم إلى الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، هذا التحاكم المتمثل بالرجوع إلى القرآن والسنة، وطلب من الناس أن يقرروا المبادئ التي قررها عقله ويتحاكموا إليها، وهكذا يصبح عدد الآلهة الوضعية أو قل الأصنام بعدد الدعاة إلى تحكيم القل.
ولقد بين فضائح عبدة صنم العقل الجدد عديد من الكتاب، ومن شاء التوسع فليرجع إلى منهج المدرسة العقلية في الحديث والتفسير، تأليف فهد الرومي، مؤسسة الرسالة. وموقف المدرسة العقلية من السنة النبوية، رسالة ماجستير مطبوعة، إعداد أمين الصادق الأمين، مكتبة الرشيد في الرياض، في مجلدين. والعصريون والمعتزلة الجدد، وما كتب في هذا الصدد.
وقد جمع روَّاد عمارة الكثير من زندقة الفرق السابقة، وسنعرض لبعض أقوال رموزهم.
قال محمد عبده الذي عُيِّن مفتي الدولة المصرية من قبل الحكومة الإنجليزية: [الأصل الأول للإسلام: النظر العقلي لتحصيل الإيمان، فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحجة وقاضاك إلى العقل. ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى صلته فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه] [1] .
ثم قال: [الأصل الثاني تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، أُسرع إليك بذكر أصل يتبع هذا الأصل المتقدم قبل أنتقل إلى غيره. اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل] [2] .
وقال: [فالإسلام في هذه الدعوة والمطالبة بالإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري"وهو ما نسميه بالنظام الطبيعي"[3] فلا يدهشك بخارق للعادة ولا يغشي بصرك بأطوار غير معتادة ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية. وقد اتفق المسلمون إلا قليلا ممن لا يعتد برأيهم على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوات وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل ولا من الكتب
(1) - الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية لمحمد عبده بتقديم رشيد رضا. الطبعة السادسة 1375 هـ، ص / 58.
(2) - الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية لمحمد عبده بتقديم رشيد رضا. الطبعة السادسة 1375 هـ، ص / 59.
(3) - وهوالذي تقول عنه الماسونية الدين الطبيعي.