15 -وأما رشيد رضا تلميذ محمد عبده وهو من المدرسة العقلية التي يحب أن ينتسب إليها المفكر محمد عمارة، يقول في كتابه الخلافة: [أجمع سلف الأمة وأهل السنة وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام - أي توليته على الأمة - واجب على المسلمين شرعًا لا عقلًا فقط كما قال بعض المعتزلة] ثم قال: [اتفق أهل السنة على أن نصب الخليفة فرض كفاية وأن المطالب به أهل الحل والعقد في الأمة] [1] .
وقال في مجلة المنار: [نصب الإمام واجب في الملّة في هذا الزمان كغيره، وجميع المسلمين آثمون بعدم نصب إمام تجتمع كلمتهم عليه بقدر طاقتهم، ومعاقبون عليه في الدنيا بما يعلمه أهل البصيرة منهم، وسيعاقبون في الآخرة بما يعلمه الله تعالى وحده] [2] .
وأما الكُتّاب الجدد القائلون بذلك فهم كثرٌ جدًا، فهل كان المفكر الإسلامي الكبير محمد عمارة صادقًا في دعواه بأن جميع أهل السنة يرون وجوب الإمام عقلًا أم كان غير ذلك ... ؟!.
ومن يرفض إجماع المسلمين يناله وصف الله تعالى بقوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [3] .
دليل آخر نسوقه للذين لا يوقنون، لأن الموقنين يكفيهم الآية الواحدة أو حديث الآحاد إذا ثبتت صحته ولو كان غريبًا؛ بل يكفيهم قول الصاحب إن لم يكن هناك غيره، أما غير الموقنين فلقد وصفهم الله تعالى بقوله: {وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ} [4] .وقال تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [5] . كما نسوقه إعذارًا إلى الله تعالى كما جاء في كتاب الله الكريم: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [6] .
والدليل هو القاعدة الأصولية: (ما لا يتم الواجب إلا به واجب) .
وقد نص كثير من العلماء على هذه القاعدة في كتبهم وعملوا بها في استنباط الأحكام. ومن ذلك قول القرطبي رحمه الله: [أصل من أصول الفقه وهو أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب مثله] [7] . ولو ذهبتُ أذكر كل من قال بهذه القاعدة لطال الأمر ولذكرت المئات.
ووجه الاستدلال بالقاعدة الأصولية: هو أنه لا يتم إقامة الواجبات الشرعية من جهاد وحفظ للبيضة وإقامة
(1) - الخلافة لمحمد رشيد رضا - طبع الزهراء للإعلام، ص / 18.
(2) - مجلة المنار - جلد 1 عـ 26، ص 31 - 32، 29 رمضان 1343 هـ.
(3) - سورة النساء:115.
(4) - سورة الروم: 58.
(5) - سورة البقرة: 145.
(6) - سورة الأعراف: 164.
(7) - تفسير القرطبي (6/ 85) . وانظر أقوال العلماء في: تفسير ابن كثير (1/ 15) ، والمبدع لابن مفلح (1/ 188) ، وشرح العمدة لابن تيمية (3/ 615) ، والكافي لابن قدامة المقدسي (1/ 225) ، كشف القناع للبهوتي (1/ 165) ، والمجموع للنووي (2/ 167) ، ومنار السبيل لابن ضويان (1/ 118) وغيرهم كثير.