تقديمه وهذا بين واضح فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق لمخبره فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلا صحيحا وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يجز أن يتبع بحال فضلا عن أن يقدم فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل. فالواجب كمال التسليم للرسول والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولا أو نحمله شبهة أو شكا أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما. توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول فلا نحاكم إلى غيره ولا نرضى بحكم غيره ولا نوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره وإلا حرفه عن مواضعه وسمى تحريفه تأويلا وحملا فقال نؤوله ونحمله فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خيرا له من أن يلقاه بهذه الحال بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله فهل يسوغ أن يؤخر قبوله] [1] .
6 -وقال ابن المرتضى اليماني [2] : [فإن قيل تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض لأن السمع علم بالعقل فهو أصله ولو بطل العقل بطل السمع والعقل معا وهذه من قواعد المتكلمين. قلنا: قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل والسمع فتعارضها تقدير محال فإنه لو بطل السمع أيضا بعد أن دل العقل على صحته لبطلا معا أيضا لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الأحكام العقلية وممن ذكر ذلك ابن تيمية وابن دقيق العيد والزركشي في شرح جمع الجوامع] [3] .
7 -وقال ابن الجوزي: [ومن رأيناه يزري على النقل علمنا أنه قد عطل أمر الشرع] [4] .
ولوضع الأمور في نصابها ودخول البيوت من أبوابها، لا بد من تسمية الأشياء بمسمياتها وتوضيح حدودها ومآلاتها، واجتناب طريق يهود وتوابعه، في تحريف الكلم عن مواضعه، فالذي سموه تهوينا لشأنه ومقامه بالمنقول، هو كلام الله تعالى وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأحيانًا يسمونه لفظًا أو سمعًا، لأن السمع قريب من السماع، والسماع هو التغبير والتطبيل والألحان، والذي أطلق عليه العلماء مزامير الشيطان.
والذي سموه عقلًا مكبِّرين لشأنه ومضخمين؛ ما هو إلا أهواء الضالين، وشهوات المنحرفين، وتلبيس المنافقين، وآراء المزورين، وتزيين الشياطين.
(1) - شرح العقيدة الطحاوية (1/ 217) .
(2) - محمد بن المرتضى اليماني: (ت: 732 هـ) هوالعلامة محمد بن المرتضى بن المفضل الحسني، أخذ عن أبيه وعمه إبراهيم واتصل بالإمام محمد بن أبي القاسم، من مؤلفاته: إيثار الحق على الخلق. [مختصرا عن البدر الطالع للشوكاني]
(3) - إيثار الحق على الخلق، (ص / 117) .
(4) - تلبيس إبليس، (ص /450) .