فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 392

فاض عن الله

وهذه بعض أفكار إخوان الصفا في تقديم العقل على النقل، وسنستطرد فيها قليلًا لأنها هي الأساس لكل الفرق التي قدمت الأهواء على كلام الله، وهي أيضا أساس لكل الفرق الباطنية:

يقولون: [اعلم أيها الأخ أيدك الله وإيانا بروح منه إنّا قد فرغنا من بيان قول الحكماء أن العالم إنسان كبير ... فنريد أن نذكر في هذه الرسالة الملقبة بالعقل والمعقول ونبين أن المعقولات أيضا كلها صور روحانية تراها النفس في ذاتها وتعاينها في جوهرها بعد مشاهدتها لها في الهيولي بطريق الحواس، إذا هي انتبهت من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، ونظرت بعين البصيرة إلى نور العقل واستضاءت بضيائه وتجملت ببهائه.

واعلم يا أخي أن العقل اسم مشترك يقال على معنيين؛ أحدهما ما تشير به الفلاسفة إلى أنه أول موجود اخترعه الباري جل وعز، وهو جوهر بسيط روحاني محيط بالأشياء كلها إحاطة روحانية، والمعنى الآخر ما يشير به جمهور الناس إلى أنه قوة من قوى النفس الإنسانية التي فعلها التفكير والروية والنطق والتمييز والصنائع وما شاكلها، فنريد أن نتكلم في هذه القوة ونبين أقسامها ونصف أفعالها وكيفية إدراكها صور المعلومات في ذاتها وجوهرها.

واعلم يا أخي أنه لما كان العقل الذي نحن في ذكره قوة من قوى النفس الإنسانية هي أيضا قوة من قوى النفس الكلية، والنفس الكلية هي فيض فاض من العقل الكلي الذي هو أول فيض فاض من الباري، جل وعز ... واعلم يا أخي بأن الموجودات كلها صور وأعيان غيريات أفاضها الباري عز وجل على العقل ... والنفس الكلية أيضا هي صورة روحانية فاضت من العقل الكلي، وأما النفس فلها علتان؛ وهما الباري عز وجل والعقل، فالباري علتها الفاعلة المخترعة لها، والصورية هي العقل الذي يفيض عليها ما يقبل من الباري عز وجل من الفضائل والخير والفيض، وأما العقل فله علة واحدة الذي هو الباري عز وجل الذي أفاض عليه الوجود والتمام والبقاء والكمال دفعة واحدة بلا زمان ... والعقل هو الذي أشار إليه بقوله في كتابه على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} ... وأما الحكماء والنجباء والراسخون في العلم فإنهم شاهدوا بصفاء نفوسهم ونور عقولهم وجواهر أُخَرَ غير جسمانية علاَّمة بقوتها سارية في الأجسام بلطافتها، فعَّالة فيها برويتها هي جند الله ولب الخليقة، فنسبوا هذه الأفعال الطبيعية إليها ونزهوا الباري، سبحانه عنها ... ولما كان العقل هو المقر على نفسه بأنه مربوب وله مدبر خالق صانع حكيم نزَّهه من جميع صفات النقص.

ثم اعلم أن القوة المفكرة لها أفعال كثيرة تستغرق فيها أفعال سائر القوى، وذلك أن أفعالها نوعان، فمنها ما يخصها بمجردها ومنها ما يشترك مع قوىً أخرى ... وأما التي تخصها من الأفعال فالفكر، والروية، والتصور، والاعتبار، والتركيب، والتحليل، والجمع، والقياس. ولها الفراسة والجزر والتكهن والخواطر والإلهام وقبول الوحي ... وبقبول الخواطر والإلهام والوحي معرفة وضع النواميس وتدين الكتب الإلهية وتأويلاتها المكنونة التي لا يمسها إلا المطهرون من أدناس الطبيعة الذين هم أهل البيت الروحانيون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت