فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 392

"التنوير و"المواطنة"لأنها قد اعتادت أن تكون"رعية"، وما زالت تحلم بـ"راع"،"زعيم بطل"قائد ... لـ"الطائرة"."

هناك حقيقة تاريخية أخرى لا بد من أن نوليها كامل الاعتبار، وهي أن"حركة التنوير"موضوع حديثنا لم تنبع من داخل الواقع المصري، أو العربي، بل لقد كانت مظهرًا من مظاهر حملة نابليون على مصر والشام، وامتدادًا لها. وبالرغم من المجهود الذي بذل لنقل بعض أفكارها وأطروحاتها إلى العربية من طرف"روَّاد النهضة"في مصر فإن شعاراتها ومفاهيمها كانت - ويجب أن نقول ما تزال - غريبة عن المجال التداولي للغة العربية، وعن الحقل الثقافي العربي السائد. إن مفهوم"حالة الطبيعة"ومفهوم"العقل"ومفهوم"الحرية"ومفهوم"المساواة"ومفهوم"المواطن"ومفهوم"حقوق الإنسان"وهي المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها"فكر الأنوار"الذي مهد للثورة الفرنسية وعملت هذه على ترويجه، مفاهيم لم يحدث بعد أن تمت تبيئتها في فكرنا وثقافتنا ...

وبعد فالحديث ذو شجون كما يقولون. لقد تحدثت عن ما أسميته"الثورات العربية الحديثة"وهالك أن تعود تلك الثورات فتنقلب من داخلها على أنفسها ويتحول البعض منها إلى ثورة مضادة وقد حاولت أن أجيب على السؤال بقدر ما يسمح به المقام. ومع أن الموضوع يجب أن يبقى مفتوحًا للنقاش فإني أجد نفسي مضطرًا، احترامًا للحجم المخصص لهذا التعقيب، إلى تلخيص ما أردت قوله في مسألتين: الأولى هي أنه عندما نتحدث عن الثورة الفرنسية وامتداداتها إلى العالم العربي يجب أن نتذكر أن هذا"العالم العربي"لم يكن بدون أهل وأن العقل فيه لم يكن ذلك العقل الذي تصوره فلاسفة التنوير في أوروبا على أنه صفحة بيضاء .. أما المسألة الثانية فهي متفرعة عن الأولى وهي أن لغة الثورة الفرنسية، لغة عصر الأنوار في أوروبا، لم يحدث بعد أن تمت تبيئتها في حقلنا الثقافي. إنه لا يكفي أن نترجم ألفاظًا بألفاظ ... إن التنوير والتثوير يجب أن يتم من الداخل أما ما يأتي من الخارج فلا معنى له إلا بالنسبة لمن يستطيع أن ينقل نفسه إلى داخل ذلك الخارج. أما من لا يستطيع فموقفه لن يختلف عن موقف أبي سعيد السيرافي النحوي المشهور الذي عارض نقل المنطق اليوناني إلى اللغة العربية، لأنه لم يكن يرى في العملية سوى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها.

يؤسفني جدًا أن نفترق في هذه الحلقة الأخيرة من حوارنا على غير اتفاق حول ما طرحته فيها، بل على اختلاف وخلاف، بعد أن سرنا منذ بداية الحوار إلى الحلقة السابقة على خطين متوازيين، لا أختلف معك في جزئية أو مسألة إلا لنلتقي في النهاية. أما بخصوص هذه الحلقة فإني لا أقول أني مضطر للاختلاف معك وحسب، بل أقول أيضًا أرى من واجبي أن أخالفك"على طول".

لقد أثار وجداني شكل رسالتك، واستنفر عقلي مضمونها. وأبادر فأسألك مخلصًا لمن نكتب مثل هذا الكلام الذي كتبته عن الحرية التي نعم بها اليهود في الأندلس زمن ابن ميمون وفي فرنسا على عهد فلاسفة التنوير. لمن نكتب ونقول: اليهود إخوتنا في الدين واليهودية ثقافة عقلانية أخلاقية شاملة لا فرق بينها وبين أي دين أو ثقافة أخرى، لمن نقول: الأخوة اليهود على وزن الأخوة العرب ... لمن نقول ذلك وما أشبهه مما ملأت به مقالتك؟ هل للعرب أم لليهود أم لهم جميعًا ولغيرهم؟ هل تعتقد أنه بهذا النوع من الكلام عن التاريخ يمكن أن نحل المشكل ... إن اليهود يعرفون جيدًا كيف كانت وضعيتهم في الأندلس وفرنسا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت