الفصل السابع
محمد عمارة والصحوة الإسلامية
عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودِّع فماذا تعهد إلينا؟ قال: {تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك. من يَعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها ... بالنواجذ} [1] .
وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: كنا جلوسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: {إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللَّذَين من بعدي} وأشار إلى أبي بكر وعمر [2] .
وكان من سنة الخلفاء الراشدين المهديين - رضي الله عنهم - أنهم كانوا لا يستعملون من ارتدّ عن الإسلام ثم رجع إليه، فلقد كتب الصديق - رضي الله عنه - إلى أمراء الأجناد وصايا منها: [وأن يمنع أصحاب العجلة والفساد، وأن لا يدخل فيهم حشوًا حتى يعرفهم، وليعلم ما هم لا يكونوا عيونًا، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم] [3] .
وقال - رضي الله عنه - في كتابه إلى خالد بن الوليد وقادة الأجناد بعد الفراغ من حروب الردة والمسير إلى العراق: [أما بعد فإن أحبَّ من أدخلتم في أموركم إليَّ مَن لم يرتد ومَن كان ممن لم يرتد، فأَجمِعوا على ذلك، فأْخُذوا منهم صنائع، وائذنوا لمن شاء في الانصراف، ولا تستعينوا بمرتدٍّ في الجهاد] [4] .
وقال ابن كثير: [لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة بعث إليه الصديق أن يسير إلى العراق، وأن يبدأ بفرج الهند وهي الأبلة، ويأتي العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس، ويدعوهم إلى الله عز وجل، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم. وأمره أن لا يكره أحدًا على المسير معه، ولا يستعين بمن ارتد عن الإسلام وإن كان عاد إليه] [5] .
وفي عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أذن عمر لسعد بأن يُشرك من كان ارتدَّ بالقتال كفرد عادي، ولم يسمح بأن يتأمَّر أحد منهم ولو عريفًا على خمسة رجال.
قال الطبري: [فلما نزل سعد بشراف كتب إلى عمر بمنزله وبمنازل الناس فيما بين غضي إلى الجبانة فكتب
(1) - حديث صحيح: رواه الترمذي برقم (2676) ، وأبوداود برقم (4607) ، وأحمد برقم (16692) ، وابن ماجة برقم (44) .
(2) - رواه الترمذي برقم (3663) ، وابن ماجة برقم (97) ، وصححه ابن حبان برقم (6902) .
(3) - مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة - محمد ماهر حمادة ص/ 345.
(4) - المصدر السابق، ص / 358.
(5) - البداية والنهاية لابن كثير (6/ 342) .