وقال: [إن للعقل دور القيادة والتوجيه في السلوك البشري بأكمله فالغرائز والأخلاق والنزعات النفسية والاتجاهات الحسية كلها يجب أن تخضع لإرادة العقل، وكذلك نظر الإنسان إلى العالم من حوله، ومواقفه وعلاقاته وروابطه بالمجتمع الذي يعيش فيه ليكون المجتمع الإنساني مجتمعا عقليا يلتزم بمنطق العقل، ويسير على ضوء قيادته] [1] .
وهم في تقديم العقل كالمعتزلة [يظهر من خلال كتبهم تعطيل الصفات الإلهية، وهم يلتقون إلى حد بعيد مع المعتزلة في تأويل الصفات ولكنهم يدعون أنهم ينطلقون في ذلك من منطلق عقدي، حتى يذهبون إلى تأويل الصفة تأويلا مجازيا ... وينكرون رؤية الله تعالى في الآخرة، ويأولون بعض مسائل الآخرة تأويلا مجازيا كالميزان والصراط، والقرآن لديهم مخلوق] [2] .
أول ما ظهر القول بتقديم الهوى عند الفرقة القدرية. الذين ينكرون القدر ويقولون إن الأمر أُنُف أي لم يسبقه قدر ولا علم من الله تعالى وإنما يعلمه بعد وقوعه ... ولقد قسم الإمام ابن تيمية القدرية إلى ثلاثة أصناف: ["قدرية مشركية"و"قدرية مجوسية"و"قدرية إبليسية"] [3] .
ثم جاءت الجهمية وحكّموا عقولهم أكثر حتى تطاولوا إلى ذات الله تعالى، وبدؤوا يحدّدون كيف يجب أن يكون، فقالوا: [لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقضي تشبيهًا، فنُفي كونه حيًا عالمًا، وأُثبت كونه قادرا فاعلًا خالقًا ... وقالوا لا يجوز أن يعلَمَ الشيء قبل خلقه لأنه لو علم ثم خلق أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد وإن لم يبق فقد تغير والمتغير مخلوق ليس بقديم ... ومنها قولهم الجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها وتألم أهل النار بجحيمها إذ لا تتصور حركات لا تتناهى آخرًا كما لا تتصور حركات تتناهى أولًا ... ومنها قولهم من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده لأن العلم والمعرفة لا يزولان بالجحد فهو مؤمن، والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل ولا يتفاضل أهله فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد إذ المعارف لا تتفاضل] [4] .
وأعلام هذه الفرقة هم: الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري بالكوفة يوم الأضحى بعد خطبة العيد إذ قال: [ضحوا ضحاياكم تقبل الله منكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه يقول إن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلًا تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرًا، ثم نزل عن المنبر وحز رأسه
(1) - العقل والعلم في الإسلام. نشر دار التوحيد، إيران 1404 هـ ص\10
(2) - الموسوعة الميسرة في الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة (1/ 64) .
(3) - أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي، (4/ 750) ، والإبانة لابن بطة (2/ 415) ، والشريعة للآجري، (ص / 242) .
(4) - الملل والنحل للشهرستاني، ص / 88.