الفصل الثالث
محمد عمارة والتاريخ الإسلامي
للمفكر الإسلامي محمد عمارة رأي خاص بحروب الردة، وقبل الحكم على هذا الرأي نذكر أقواله حول هذه الموضوع.
يقول عمارة: [وبعد أشهر من هذه البيعة الأولى حدثت حروب الردة للخلاف حول سلطة الخليفة الجديد عندما استمرت بعض القبائل تدين بالإسلام لكنها رفضت الانصياع لما حدث في المدينة من نقل سلطة الرسول الزمنية إلى أبي بكر] [1] .
ويقول: [كما تشهد حرب خالد بن الوليد لمالك بن نويرة[2] وقتله له للطابع السياسي وليس الديني لهذه الحرب وتؤكد على أنها كانت ردة عن الوحدة السياسية للدولة، ولم تكن بحال من الأحوال ردة عن دين الإسلام، فمالك بن نويرة قد فضّ حلفه مع سجاح بنت الحارث [3] التي انصرفت إلى أرض الجزيرة، وهو حلف استهدف من ورائه أغراض قبلية ولم يكن حلفًا ينتقص طبيعته من إيمانه بدين الإسلام، وهو قد جمع الزكاة وقيدها ولكنه رفض تسليمها لبيت مال دولة الخلافة بالمدينة وله في ذلك شعر منه:
فإن قام بالأمر المجدد قائم ... أطعنا وقلنا الدين دين محمد] [4] .
فالحلف مع سجاح المتنبئة ليس ردة عنده، و هذا الشعر في الحقيقة هو شعر الشيعة بالعهد العباسي الذين كانوا لا يقرون بخلافة أبي بكر - رضي الله عنه -، وهكذا يستشهد المفكر الإسلامي بأقوال الشيعة وينقل الشعر من كتاب نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
ويقول كذلك: [ارتدت عدة قبائل عربية عن الإسلام فأعلنت رفض سلطة الدولة العربية الإسلامية التي توحدت تحت حكم الرسول بعد فتوحات المسلمين وغزواتهم في شبه الجزيرة وأعلنت تلك القبائل الاستقلال عن دولة المدينة، وكان هذا جانبًا سياسيًا وليس دينيًا واضحًا في حركة الردة هذه ولكنها كانت ردة ضد دولة يحكمها نبي فزعم قادة هذه الردة أنهم هم الآخرون أنبياء] [5] .
(1) -الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية، ص / 17.
(2) - مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد التميمي، أسلم ثم ارتد، أرسل أبوبكر إليه خالد فقبض عليه في البطاح، وقتله سنة (12) هـ.
(3) - سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية من بني يربوع، متنبئة مشهورة، كانت شاعرة أديبة عارفة بالأخبار، تزوجت بمسيلمة وأقامت معه قليلًا ثم انصرفت إلى أخوالها بالجزيرة، أسلمت بعد قتل مسيلمة، ماتت بالبصرة وصلى عليها سمرة بن جندب.
(4) -الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، ص / 114 - 115.
(5) - الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، ص/ 107.