فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 392

موضوع يدور حول"الليبرالية"و"التنوير"بمناسبة ذكرى الثورة الفرنسية، فلماذا أقحمت"الضباط"في الموضوع؟ لماذا أقمت تقابلًا، بل تناقضًا أو على الأقل تعارضًا، بين"الضباط الأحرار"و"المفكرين الأحرار"؟ أنت تسأل من أين نبدأ؟ وأنا أرى أن البداية والنهاية يجب أن تكون:"المواطن الحر"أما البدلات، مدنية كانت أو عسكرية، تقليدية كانت أو عصرية، فلا خوف منها، ولا أهمية لها، إذا كان الذي يرتديها هو"المواطن الحر"، المواطن الذي لا خوف عليه، أو منه، من أن تتحول بدلة جسمه إلى رداء لعقله.

ونعود بعد هذا إلى الموضوع الذي طرحته، وهو انتكاسة حركة"التنوير"التي عرفها"العالم العربي"في القرن الماضي والنصف الأول من هذا القرن بتأثير فكر"الأنوار"الذي مهد للثورة الفرنسية، والذي عملت هذه الثورة على نشره في"العالم أجمع".

هنا أيضًا لا بد من الحذر، كل الحذر، من"إلقاء الكلام على عواهنه"يجب التدقيق في الأمور. وأعتقد أنه لا بد من استحضار المعطيات التالية قبل تقديم الجواب عن السؤال الذي طرحته، سؤال؛ لماذا انتكست حركة"التنوير"في العالم العربي؟

يجب أن نلاحظ أولًا أنه ليس صحيحًا أن"العالم العربي"- هكذا بإطلاق وتعميم - قد عرف"حركة التنوير"، التي يتحدث عنها السؤال. نعم، لقد عرفتها مصر والشام أما باقي الأقطار العربية فقد عرفت حركات أخرى مغايرة تمامًا. وهنا لا بد من أن نكون واقعيين متحلين بالموضوعية التاريخية؟ ذلك أن الحقيقة التي يمدنا بها التاريخ، تاريخ العالم العربي في القرن الماضي والعقود الأولى من هذا القرن، هي أن الحركة التي كان لها صدى واسعا في جميع أقطار العالم العربي، وأن لها حضورًا فعليًا في كثير منها، هي الحركة الوهابية التي قامت قبل الثورة الفرنسية باثنتين وأربعين سنة، حينما تحالف محمد بن عبد الوهاب مع أمراء آل سعود عام 1747. ولا نبالغ إذا قلنا - وهذا على سبيل التوضيح فقط - أن تأثير الحركة الوهابية في العالم العربي زمن الثورة الفرنسية كان يضاهي تأثير هذه الثورة - الفرنسية - في الأقطار الأوروبية، بل لربما كان أقوى. فقد ظهرت حركات مماثلة، تشكل نوعًا من الامتداد لها في أقطار عربية كثيرة: في اليمن قام الإمام الشوكاني (1758 - 1834 م) على رأس دعوة مشابهة لدعوة ابن عبد الوهاب وفي المغرب الأقصى تبنت الدولة الدعوة الوهابية أيديولوجية لها، منذ أيام الثورة الفرنسية إلى أواخر القرن الماضي حينما أخذت الوهابية فيه تتطور إلى سلفية جديدة. وبين المغرب واليمن كان حضور الوهابية متعدد الأشكال: السنوسية في ليبيا، وقد انتشرت زواياها في كل من السودان ومصر و"بلاد العرب"- فضلًا عن برقة وطرابلس - ولم تخل مصر نفسها من تأثير الوهابية، ... وأما في السودان فقد كانت السيادة للمهدية الصوفية وثورتها (1881) ، ولم يكن لحكم محمد علي هناك أثر تنويري يستحق الذكر بالمقارنة معها. وهكذا فالساحة العربية، من المحيط إلى الخليج كانت واقعة تحت تأثر الوهابية والسنوسية والمهدية والسلفية، زمن الثورة الفرنسية وزمن امتداداتها. أما"حركة التنوير"، التي تتحدث عنها فقد كانت محصورة في مصر والشام وحدهما، وأصداؤها في الأقطار العربية الأخرى كانت من الضعف بحيث لا يمكن مقارنتها مع أصداء الحركة الوهابية ومثيلاتها. وهناك جانب آخر لا بد من أخذه بعين الاعتبار وهو أن"حركة التنوير"موضوع الحديث، كانت، حتى في مصر نفسها محصورة في نخبة ضيقة، هي"النخبة العصرية"التي لا مجال لمقارنتها مع"النخبة التقليدية"والأغلبية العظمى من الجماهير التي كانت - وما زالت - مرتبطة بها، والتي لم تكن تعرف، ولا هي تعرف الآن بعمق معنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت