إلا النجوم الساطعة في السماء يهتدي بها في ظلمة الليل، ولا يعرف إلا الماء والكلأ ليضرب حولها الخيام. ثم ينتقل من مكان إلى مكان للرعي يتزاوج من القبائل، ويتصاهر، ويتحالف، ويراعي المواثيق.
في الوقت الذي يرجع فيه السامي إلى هويته، عربيًا كان أم يهوديًا، ويتخلص من التحديد الجغرافي القومي الأوروبي للهوية، في الوقت الذي يتم فيه التخلص من التغريب في تحديد الهوية والعودة إلى الأصالة يمكن للحكم في الأندلس أن يعود في العام الأول لإنشاء دولة فلسطين ولمبادئ الثورة الفرنسية أن تحيا من جديد في ذكراها المئوية الثانية. إن الحل الجذري والنهائي إلى الأمد الطويل لا ينفي الحلول المرحلية. فلنبدأ بدولتين، ثم باتحاد كونفدرالي إلى عالم تعيش فيه شعوب المنطقة ودولها متساوية في الحقوق والواجبات. ثم بخلق أمة واحدة تتكون من عدة أمم متساوية فيما بينها كما كان"ميثاق المدينة"من قبل، هويتها في مبادئها، وقوانينها في مساواتها.
وعلى هذا النحو قد نعيش الآن فترة تاريخية جديدة تحقيقًا لنموذج الأندلس والثورة الفرنسية. وتلك دلالة"إعلان الجزائر"بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وتلك دلالة الاعتراف الضمني لفرنسا بها واستقبال رئيس دولة فلسطين في الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية.
حياك الله أخي محمد، وأستودعك، وألقاك دائمًا على خير.
وردَّ محمد عابد الجابري بالتالي: ... أخي حسن
ونعود مرة أخرى إلى قضية"الليبرالية"و"التنوير"في العالم العربي بمناسبة مرور قرنين من الزمن على الثورة الفرنسية التي اقترنت بهما، وتعود أنت فتؤكد أنه بعد مرحلة"الثورات العربية الحديثة"، مرحلة"الليبرالية"و"تأسيس الدولة الحديثة"تعود الثورات فتنقلب"من داخلها على أنفسها فتحول البعض إلى ثورة مضادة ... ويعود جيلنا للسؤال من جديد هل يمكن التثوير قبل التنوير؟".
سأقف قليلًا مع"شكل"هذا السؤال الذي يستمد بعض قوته وبريقه - في اللغة العربية - من الوزن والسجع:"التثوير .. التنوير"وسأتخلص منه، واقفًا به عند حدوده، فأقول: إن التنوير، تنوير العقول، هو في حد ذاته تثوير. التنوير هو إلقاء الضوء - وإذا شئت"النور"- على الحقيقة ليراها الناس كما هي. والحقيقة عندما يرفع عنها الغطاء تصبح ثورية. وبالمثل؛ التثوير لا يكون فعالا وتاريخيًا إلا إذا كان تثويرًا للعقول (وليس للعواطف: التثوير للعقول والتهييج للعواطف، ومع الأسف كنا وما زلنا نخلط بينهما) والعقل عندما يثور، يثور على نفسه أولًا، أعني على السلطات التي تقيده، فيصبح"نورًا"يكشف عن الخطأ واللبس والتمويه فيرى الأشياء كما هي في حقيقتها وجوهرها. وإذن فلا داعي للانشغال بالسؤال:"هل يمكن التثوير قبل التنوير؟"، لأنه سؤال يطرح اختيارًا لا مبرر له ولا معنى. إنه يفرض علينا الفصل بين"التثوير"و"التنوير"والأخذ بأحدهما قبل الآخر، وهذا موقف ينطوي على خطأ جسيم. والصواب: هو الجمع بينهما فهما لا يتناقضان ولا يتصادمان بل يتكاملان، كل منهما يشكل حقيقة الآخر وجوهره.
أما السؤال الثاني الذي جعلته فرعًا للسؤال السابق هو"بأيهما نبدأ"الضباط الأحرار أم المفكرون الأحرار؟ فيكفي أن نقول فيه ما يقوله الأصوليون في مثل هذه الحال، وهو إذا فسد الأصل فسد الفرع، وأنا لا أكتمك أنني لم أستطع أن أفهم، عقلانيًا، هذا الاختيار الذي تفرضه علينا بسؤالك السالف الذكر. أنت تتحدث في