مواطنون مثل غيرهم، متساوون في الحقوق والواجبات. اليهودية إيمان بالله، وبالعناية الإلهية، وبخلود الروح. وهي بذلك تشارك الديانات الأخرى في العقائد دون تخصيص أو تمييز اجتماعي لطائفة على غيرها. وقد تبلورت فلسفة التنوير في ألمانيا عند الفيلسوف موسى مندلسون، وتحول إلى حركة إصلاحية عامة في"إعلان بتسبرج".
وقامت الثورة الفرنسية بتحويل التنوير إلى أوضاع سياسية وقانونية. فتم إعلان حقوق الإنسان المواطن في فرنسا في 1789. وينص على أن"الناس يولدون ويظلون أحرارًا متساوين في الحقوق"وفي 1791 منح المجلس الوطني الفرنسي اليهود الجنسية الفرنسية والحقوق المدنية الكاملة وشاعت الحركة في كل أرجاء أوروبا في ألمانيا، وهولندا، وإيطاليا، وسويسرا، والنمسا، والمجر، وروسيا، وفي الولايات المتحدة. وأصدرت الثورة الفرنسية عدة قوانين تجعل الأقليات غير الكاثوليكية متساوية في الحقوق والواجبات مع الأغلبية الكاثوليكية. وأعلن نابليون في 1806 إنهاء كل الأحكام الخاصة باليهود كطائفة وفي 1807 دعا السنهدرين إلى مناقشة أوضاع اليهود. وفي عام 1808 أصدرت"التنظيمات العضوية للديانة الموسوية"كما أصدر نابليون في نفس العام قانونًا بتنظيم حياة اليهود الاقتصادي. فالثورة الفرنسية استأنفت الحكم الإسلامي العربي في الأندلس. وتوجه نابليون بندائه إلى يهود فرنسا، باسم الثورة، أن يكونوا مواطنين فرنسيين لهم نفس الحقوق والواجبات كما توجه الحاكم العربي من قبل إلى جميع الطوائف باسم الإسلام، أن يكونوا مثل المسلمين، متساوين في الحقوق والواجبات.
وكما حدث رد الفعل بعد الانحسار العربي من الأندلس ممثلًا في محاكم التفتيش حدث رد الفعل أيضًا بعد انحسار حركة التنوير في الغرب عامة في القرن الثامن عشر وظهور القوميات في القرن التاسع عشر، ورفض غالبية اليهود خاصة في أوروبا الشرقية أن يصبحوا جزءًا من الحركات القومية الأوروبية، مؤثرين قومية خاصة بهم تعبر عن حياتهم في الجيتو. وهنا نشأت الصهيونية على نفس الخط القومي الأوروبي. وعرضها موسى هس على باور في ألمانيا وهو ما عرف باسم المسألة اليهودية. ورأى باور أن تحرر الشعب اليهودي إنما يتم بتحرر الشعب المسيحي وبتحرر ألمانيا، فالخاص يندرج في العام. ثم عرضها على ماركس. ورأى ماركس أن تحرر الشعب اليهودي لا يتم فقط بتحرر الشعب الألماني بل بتحرر الشعوب جميعًا فلا حل للخاص إلا في العام ...
والآن، ونحن على مشارف القرن العشرين، وبعد مآسي النازية ووقوع الأخوة اليهود تحت أبشع اضطهاد عرفه التاريخ. وكرد فعل على حياة الجيتو وانعزال الطوائف اليهودية عن الأوطان التي يعيشون بها، هل تحقق قومية يهودية في دولة يهودية يحل المأساة؟ وهل يمكن حل مأساة الشعب اليهودي بخلق مأساة أخرى، مأساة الشعب الفلسطيني؟ إن السؤال مطروح الآن، كما كان مطروحا دائمًا. ولكن الإجابة أيضًا موجودة في التاريخ ليس كحلم طوباوي يستحيل التحقيق بل كنظم سياسية واجتماعية عاشها اليهود مرتين، في أسبانيا مع المسلمين وفي الثورة الفرنسية مع قوانين نابليون ....
ومع ذلك يظل النموذج القديم في الأندلس والحديث في الثورة الفرنسية هو القادر على أن يجذب الانتباه من خلال التنوير فجوهر اليهودية هو الإيمان بالله ذاتًا ومواصفات وأفعالًا، وبرسالات الأنبياء، وبخلود الروح، وهو جوهر كل الرسالات السماوية في المسيحية والإسلام، فالهوية تأتي من العقيدة وليس من خارجها، من الفكر والمبادئ وليس من اللون والجنس. وإن تحديد الهوية بالحدود الجغرافية لهو تحديد قومي موروث من عصر القوميات الأوروبية في القرن التاسع عشر. إن السامي لا يعرف له حدودًا جغرافية في الصحراء الشاسعة الممتدة. لا يعرف