فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 392

الأحكام"ويكرر سلامة موسى عبارة فولتير"اسحقوا الخزي"صيحة مدوية صاح بها فولتير قبل أكثر من مائة سنة [1] .... وعادت باريس لتمتلئ من جديد بالمفكرين العرب المهاجرين من الأوطان كما فعل الأفغاني ومحمد عبده من قبل في"العروة الوثقى"وكما كانت باريس ملجأ لحركة القوميين العرب من الاضطهاد التركي، ومع ذلك كادت الجذوة أن تنطفئ. وتحول بعض ممثلي هذا التيار في الجيلين الرابع والخامس إلى الدفاع عن التراث ... وانتهت الثورة إلى عودة للنظم القديمة، وحنين إلى ما كان قبل الثورة أو رد فعل إلى الداخل وتأكيد الروح المحافظ كما يبدو في الجماعات الإسلامية. ويعود جيلنا للسؤال من جديد هل يمكن التثوير قبل التنوير؟ بأيهما نبدأ: الضباط الأحرار أم المفكرون الأحرار؟ ونحن إلى بداياتنا القديمة لدى روَّاد عصر النهضة الذين كانوا على صلة بفلاسفة التنوير. وتعود الثورة الفرنسية إلينا في ذكراها المئوية الثانية لتعاود فينا هذا الحنين."

تحية .. لدور فرنسا الرائد في الاعتراف بحقوق شعب فلسطين. فقد بينت مدى الارتباط الوثيق بين مبادئ الثورة الفرنسية والنهضة العربية من خلال فلاسفة التنوير الذين مهدوا للثورة الفرنسية وروَّاد النهضة العربية الذين مهدوا لتأسيس الدول العربية الحديثة. وبالتالي تم تجاوز حدود فلسفة التنوير وإطلاقها ليس فقط خارج حدود فرنسا الجغرافية إلى أوروبا وأميركا بل أيضًا على العالم العربي ...

والحقيقة أن اليهود، وهم أخوتنا في الدين، عاشوا أزهر فترتين في حياتهم مرتين، الأولى بين العرب في أسبانيا، والثانية في فرنسا في عصر التنوير. ففي أسبانيا في قرطبة، وغرناطة، وطليطلة عرف الإخوة اليهود العصر الذهبي للفلسفة اليهودية التي بلغت الذروة عند موسى بن ميمون الحكيم القرطبي طبيب صلاح الدين، ومحاور ابن رشد، والحبر الأعظم، وغيره كثير: سعيد بن يوسف الفيومي (سعديا جاءون) ، إسحق الإسرائيلي الطبيب الفيلسوف في بلاط القيروان، والقس داود بن مروان، وباهيا بن يوسف بن يوسف بن باقوده، وابن صادق القرجلي، ويهدوا هاليفي، وإبراهيم بن داود هاليفي، وإبراهيم بن عزرا، واستمر الدافع الإسلامي عند الفلاسفة اليهود بعد انحسار الحكم الإسلامي في الأندلس عند هلل الفيروني، وليفي بن جرشون، وهارون بن اليجا، وحسداي بن إبراهيم. ولم يكن هناك فرق كبير يذكر بين الثقافتين الإسلامية واليهودية في الشعر أو اللغة أو العقيدة أو الفلسفة أو الطب أو الفلك أو التصوف أو التفسير، وما أن انحسر الحكم الإسلامي في الأندلس حتى وقع أول اضطهاد ديني تحت محاكم التفتيش للمسلمين واليهود سواء، هاجروا بعدها إلى المغرب العربي أو إلى المشرق العربي حيث الحريات الدينية والتسامح الديني.

والفترة الثانية عصر التنوير في فرنسا والمعروف باسم"الهسكلا"Haskala والتي هي استمرار للعصر الذهبي اليهودي في أسبانيا؟ تجعل اليهود جزءًا من الشعب الأوروبي كما كانوا يعيشون من قبل مع الشعب العربي، وجعل التراث اليهودي تراثًا روحيًا يحمي اليهود ثقافيًا من الضياع ويحميهم سياسيًا من الانعزال وحياة الجيتو. اليهودية ثقافة عقلانية أخلاقية شاملة لا فرق بينها وبين أي دين أو ثقافة أخرى تشارك في مبادئ التنوير العامة. واليهود

(1) - وحسن حنفي هنا يكذب على القراء بنقل قول فولتير. ففولتير لم يقل اسحقوا الخزي، بل قال: [ (إن الواجب اللازب علينا أن نسحق القبيح الفظيع، وهذا القبيح الشنيع ليس هوفئة الإكليريكيين، وإنما هوالله) - تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا - وهذه الكلمة هول مهول بل لفظة استنبطها من قعر الجحيم أبوالكفر والزندقة فولتير الماسوني، فانتصب بذلته لمنابذة القتال لرب السماء، فاراد أن يسحقه وما سحق غير نفسه] انظر الماسونية ذلك العالم المجهول: صابر طعيمة، ص/ 236، 237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت