وإذا كانت نسبة القوة النظرية إلى الصور العقلية نسبة الفعل المطلق، وهي أن تكون الصور المعقولة حاضرة في العقل، يطالعها دائما، ويعقلها بالفعل، ويعقل أنه يعقلها بالفعل، سميت القوة النظرية حينئذ عقلا مستفادا.
والفرق بين العقل بالفعل والعقل المستفاد أن الصور المعقولة تكون في العقل بالفعل مخزونة يطالعها ويعقلها متى شاء، على حين أنها في العقل المستفاد تكون حاضرة بالفعل. ومعنى ذلك كله أن للقوة النظرية أربع مراتب، وهي: العقل الهيولاني، والعقل بالملكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد. وعند هذا العقل الأخير يتم النوع الإنساني. وكل عقل من هذه العقول قد يكون عقلا بالقوة بالنسبة إلى ما فوقه، وعقلا بالفعل بالنسبة إلى ما تحته، ولا يتم له الانتقال من القوة إلى الفعل إلا بواسطة عقل مفارق هو دائما بالفعل وهو العقل الفعال.
لقد جاء في سورة النور {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} [1] فإذا استعرنا ألفاظ هذه السورة كان العقل الهيولاني هو المشكاة، والعقل بالملكة هو الزجاجة، والعقل بالفعل هو المصباح، والعقل المستفاد هو النور، والعقل الفعال هو النار. قال ابن سينا:
إنما النفس كالزجاجة والعلم ... سراج وحكمة الله زيت
فإذا أشرقت فإنك حي ... وإذا أظلمت فإنك ميت
وفي هذا القول إشارة إلى أن العقل الإنساني لا يخرج من الظلمة إلى النور إلا بإشراق من حكمة الله عليه.
أن لقوى النفس الإنسانية ترتيبا في الرئاسة والخدمة فالعقل المستفاد رئيس تخدمه جميع القوى، والعقل بالفعل يخدمه العقل بالملكة، والعقل بالملكة يخدمه العقل الهيولاني، والعقل العملي يخدم العقل النظري] [2] .
ومختصر أقوال الفلاسفة في العقل:
1 -أن العقل هو الله.
2 -أن العقل هو الذي وَكَلَ الله إليه الخلق والتدبير.
3 -أن العقل فاض عن الله ثم فاضت عنه عقول أخرى إلى أخر العقول وكلها تعود إلى العقل الذي
(1) - سورة النور: 35.
(2) - تاريخ الفلسفة العربية، دكتور جميل صليبا، ص 253 - 256