لأنه بإدراكه لذاته من حيث هو خير محض يكون عاشقا، ومن حيث هو مدرك لذاته يكون معشوقا، ومن حيث هو خيرية جديرة بأن تعشق تسمى عشقا. فهو إذن لذاته وبذاته أعظم عاشق ومعشوق] [1] .
ويقول عن قوى النفس الناطقة الإنسانية:
تنقسم قوى النفس الإنسانية إلى عاملة وعالمة، وكل قوة من هاتين القوتين تسمى عقلا باشتراك الاسم.
فالعاملة أو العقل العملي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالرؤية على مقتضى آراء تخصها إصلاحية. ولها اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية، واعتبار بالقياس إلى نفسها، فإذا اعتبرت بالقياس إلى القوة النزوعة، حدثت فيها هيئات تخص الإنسان، يتهيأ بها لسرعة فعل وانفعال مثل الخجل والحياء والضحك والبكاء وغيرها. وإذا اعتبرت بالقياس على المتخيلة والمتوهمة حدث عنها استنباط التدابير في الأمور الكائنة الفاسدة واستنباط الصناعات الإنسانية، وإذا اعتبرت بالقياس إلى نفسها تولدت منا الآراء الذائعة المشهورة، مثل أن الكذب قبيح، وأن الصدق حسن. وهذه القوة هي التي يجب أن تتسلط على سائر قوى البدن، وهي التي تسمى أخلاقا [2] .
وأما القوة العالمة فهي قوة نظرية من شأنها أن تنطبع بالصورة الكلية المجردة عن المادة، فإن كانت مجردة بذاته فذاك، وإن لم تكن فإنها تصيرها مجردة بتجريدها إياها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شيء [3] .
ولتوضيح عملية التجريد هذه يقول ابن سينا أن القوة النظرية قد تكون قابلة للصور بالقوة، وقد تكون قابلة لها بالفعل.
وللقوة ثلاثة معان: قوة هيولانية مطلقة، وهي الاستعداد المطلق من غير فعل كقوة الطفل على الكتابة، وقوة ممكنة، وهي استعداد مع فعل ما كقوة الطفل على الكتابة بعد تعلمه بسائط الحروف، وقوة كمالية تسمى ملكة، وهي قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة ويكون له أن يفعل متى شاء بلا حاجة إلى اكتساب.
فالقوة النظرية قد تكون نسبتها إلى الصور نسبة الاستعداد المطلق فتسمى حينئذ عقلا هيولانيا وهي موجودة لكل شخص، وقد سميت هيولانية تشبيها لها بالهيولي الأولى التي ليست هي بذاتها مشتملة على صورة من الصور.
وإذا حصل في القوة النظرية من الكمالات معقولات أولى يتوصل بها ومنها إلى المعقولات الثانية سميت عقلا بالملكة، والمعقولات الأولى هي المقدمات التي يقع بها التصديق، مثل اعتقادنا أن الكل أعظم من الجزء، وأن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية. أما المعقولات الثانية فهي العلوم المكتسبة الناشئة عن استعمال الفكر.
وإذا حصلت المعقولات الثانية في القوة النظرية وصارت مخزونة فيها بحيث تستطيع استحضارها متى شاءت من غير تشجم اكتساب جديد سميت عقلا بالفعل.
(1) - تاريخ الفلسفة العربية، دكتور جميل صليبا، ص 226 - 227
(2) - النجاة، ص 267 - 268.
(3) - النجاة، ص 269.