فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 392

العقل الهيولاني، إلى رتبة العقل بالفعل، ومن رتبة العقل بالفعل إلى رتبة العقل المستفاد. ومتى وصلت إلى هذه الرتبة الأخيرة لم يبق بينها وبين العقل الفعال واسطة [1] .

وحينئذ يفيض عليها من العقل الفعال قوة تمكنها من إدراك المعقولات إدراكًا مباشرًا. وبين مراتب المعقولات ومراتب الموجودات تقابل تام، ذلك لأن الأدنى من الموجودات ينزع به الشوق إلى ما فوقه، كما أن العقل الفعال يهب الصور لجميع الموجودات الجسمانية، ويفيضها على العقل المستفاد، فلا غرو إذا جاءت المعرفة العقلية مطابقة لموضوعها الخارجي، لأن العقل الفعال يجمع في ذاته كل الصور فيرسلها إلى عالم الحس ليكسو بها المادة والصور التي في عالم الحس مطابقة تامة تجعل المعرفة يقينية، ومرد هذه المطابقة إلى صدور جميع الصور الحسية والعقلية عن العقل الفعال، وغاية العقل الإنساني أن يتصل بهذا العقل المفارق ويتشبه به. ومعنى ذلك أن المعرفة اليقينية لا تحصل إلا بفيض من العقل الفعال الذي هو واهب المعرفة وواهب الصور، في إذن، معرفة إشراقية] [2] .

ثم يوجز صليبا الأمر فيقول: [تلك هي نظرية النبوة التي انتهى إليها الفارابي، فالفيلسوف والنبي في نظره هما الشخصان الصالحان لرئاسة المدينة الفاضلة، كلاهما يستطيع الاتصال بالعقل الفعال، إلا أن الأول يتصل به بطريق التأمل والنظر، والثاني يتصل به بقوته المتخيلة. وفي هذا الجمع بين الحكيم والنبي في اتصالهما بالعقل الفعال توفيق بين العقل والوحي، وبين الدين والفلسفة. المصدر واحد (وهو العقل الفعال) ، والحقيقة التي تفيض عنه واحدة. وليس هناك فرق بين الفيلسوف والنبي إلا في طريقة الاتصال، وفي طريقة التعبير عن الحقيقة. فالفيلسوف يتصل بالعقل الفعال بطريق التأمل والنظر ويعبر عما يراه بلغة العقل، والنبي يتصل بالعقل الفعال بطريق القوة المتخيلة ويعبر عما يشاهده بلغة الرمز والمجاز] [3] .

ثم جاء ابن سينا [4] فقال:[وواجب الوجود بذاته عقل وعاقل ومعقول فهو بما هو هوية مجردة عقل، وبما يعتبر له أن هويته المجردة منسوبة إلى ذاته فهو معقول، وبما يعتبر له أن هويته المجردة تعقل ذاتها فهو عاقل. وهذه الصفات لا تحدث في ذاته كثرة، لأن العاقل إذا عقل نفسه كان عقلا وعاقلا ومعقولا معا، وكونه عقلا، وكونه عاقلا، وكونه معقولا، كل ذلك شيء واحد.

وواجب الوجود عشق وعاشق ومعشوق، وذلك لأن كل جمال ملائم وخير مدرك فهو محبوب ومعشوق، وكلما كان الإدراك أتم والمدرك أشد خيرية كان العشق أتم وأكمل، وإذا كان واجب الوجود مبدأ كل جمال وبهاء واعتدال، كان عاشقا لذاته ومعشوقا لذاته، وكونه عشقا وعاشقا ومعشوقا لا يحدث في ذاته كثرة ن

(1) - السياسات المدنية، ص 49.

(2) - تاريخ الفلسفة العربية، دكتور جميل صليبا، ص 165

(3) - تاريخ الفلسفة العربية، دكتور جميل صليبا، ص 182

(4) - ابن سينا: ولد الحسين بن عبد الله بن سينا في صفر 370 هـ في قرية أفشنه من أسرة فارسية من الطائفة الإسماعيلية وبرز في علوم الطب والفلسفة، ذهب إلى همذان واتصل بشمس الدولة حتى أصبح وزيرًا له، وكان مفرطًا في شراب المسكر والجماع حتى قيل أنهما سبب هلاكه سنة 428 هـ. أشهر مؤلفاته الشفاء وهوأربعة أقسام: المنطق، الرياضيات، الطبيعيات، الإلهيات. وله كتاب الإرشادات والتنبيهات، وكتاب منطق المشرقيين، ورسالة أضحوية في أمر المعاد، وعيون الحكمة، ورسالة في ماهية العشق، ورسالة في أقسام العلوم العقلية، ورسالة حي بن يقظان، ورسالة الطير، وكتاب التعليقات .. الخ. وكان في فلسفته مرددًا لما قاله أرسطوطاليس وشراحه العرب مثل متى بن يونس والفارابي. [باختصار عن موسوعة الفلسفة لعبد الرحمن بدوي 1/ 40 وما بعدها]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت