ومعنى ذلك أن النفس الإنسانية ليست في جوهرها عقلا بالفعل، وأن الذي يصيرها عقلا بالفعل، ويجعل سائر الأشياء معقولة لها بالفعل، إنما هو العقل الفعال، وهو، كما بينا سابقًا؛ آخر العقول المفارقة. ونسبة العقل الفعال إلى العقل الذي بالقوة كنسبة ضياء الشمس إلى البصر، صارت العين مبصرة بالفعل. ومعنى ذلك أيضا أن المعقولات لا تحصل للنفس بالفعل، إلا بتأثير العقل الفعال، فهو الذي يمكن النفس الإنسانية من تجريد الصور من موادها، ومن إدراك المعقولات بالفعل. ولما كانت المعقولات الموجودة في العقل الفعال أشرف من الصور الجسمانية الملابسة للمادة، كان إشراق هذه المعقولات على العقل الإنساني أهم من حصول الصور فيه بطريق التجريد. أضف إلى ذلك، أن كل عقل من العقول المفارقة يتأثر بالعقل الذي فوقه، ويؤثر في العقل الذي يليه، ويسري هذا التأثير من العقل الإلهي على العقل الأول، ومن العقل الأول إلى العقل الثاني. حتى ينتهي إلى العقل الفعال. وما سمي هذا العقل فعالا إلا لأنه واهب الصور، يؤثر في العقل الإنساني ويرفعه إلى درجة العقل المستفاد. ومعنى ذلك كله أن في الإنسان استعدادًا لقبول المعقولات، ويسمى هذا الاستعداد عقلًا بالقوة، أو عقلًا هيولانيًا، ولا ينتقل هذا العقل الهيولاني من القوة إلى الفعل، إلا بتأثير العقل الفعال الذي يعقل ذاته، ويعقل الأشياء التي ليست بذواته معقولات.
ولسنا في حاجة إلى القول أن نظرية العقل الفعال الذي يجمع في ذاته جميع المعقولات ويهبها للعقل الإنساني نظرية متوسطة بين نظرية آرسطو التي تجرد المعولات من المحسوسات، ونظرية المثل الأفلاطونية التي تقرر أن المعولات قائمة بذاته. دون معونة خارجية، بل يحصل عليها بما يفضيه عليه واهب الصور من الضياء ومعنى ذلك أن المعقولات عند الفارابي ليست قائمة بذاته، كالمثل الأفلاطونية، وإنما هي موجودة في العقل الفعال، وفي العقول التي فوقه. والدليل على ذلك قول الفارابي:"ولو لم تكن للموجودات صور وآثار في ذات الموجود الحي المريد، فما الذي كان يوجده، وعلى أي مثال ينحو بما يفعله ويبدعه، فواجب إذن أن يكون عنده صور ما يريد إيجاده، أما علمت أن من نفى وجود المثل في العقل الإلهي لزمه أن يقول بأن ما يوجده إنما يوجده جزافا وعلى غير قصد، ولا ينحو نحو غرض مقصود بإرادته، وهذا من أشنع الشناعات. فعلى هذا المعنى ينبغي أن نعرف ونتصور أقاويل أولئك الحكماء فيما أثبتوه من الصور الإلهية. لا على أنها أشباح قائمة في أماكن آخر خارجة عن هذا العالم" [2] . بل على أنها موجودة في العقل الإلهي والعقول المفارقة التي تليه، وفي العقل الفعال الذي هو آخرها] [3] .
[وقصارى القول أن المعرفة حسية وعقلية. فالمعرفة الحسية تقوم على إدراك الجزئيات المتغيرة، أما المعرفة العقلية فتقوم على إدراك الكليات الثابتة. والنفس إنما تدرك الأشياء المحسوسة والمتخيلة بواسطة آلاتها، أما الكليات المعقولة فإنها تدركها بذاتها[4] .
وإذا كانت النفس تصل إلى إدراك هذه الكليات بذاته، فمرد ذلك على أنها قادرة على الانتقال من رتبة
(1) - المدينة الفاضلة، ص 83.
(2) -كتاب الجمع بين رأي الحكيمين، ص 106 - 107 من طبعة بيروت للدكتور البيرنصري نادر.
(3) - تاريخ الفلسفة العربية، دكتور جميل صليبا، ص 159 - 162
(4) - التعليقات، ص 12.