عقول إنسانية!!
أما العقل بالقوة الذي يسميه الفارابي عقلًا هيولانيا أو عقلًا منفعلًا، فهو: (نفس ما، أو جزء من نفس، أو قوة من قوى النفس، أو شيء ما ذاته معدة أو مستعدة لأن تنتزع ماهيات الأشياء كلها وصورها دون موادها فتجعلها كلها صورة لها) [1] .
أو مستعدة لقبول المعقولات. ووظيفة هذا العقل أن ينتزع صور الأشياء وماهياتها دون موداها حتى تصير في بالفعل. مثال ذلك أن نفس الطفل عالمة بالقوة [2] . وهو إنما يدرك صور الأجسام بواسطة الحواس والمتخيلة، ثم ينتقل بعد ذلك إلى إدراك الكليات، فتصير نفس عالمة بالفعل!!
وأما العقل بالفعل أو العقل بالملكة، فهو فوق العقل الهيولاني، وهو أن تحصل المعقولات في العقل الهيولاني بالفعل متى شاء طالعها وعقلها. أما المعقولات التي لم تحصل له بعد فتكون معقولات بالقوة. قال الفارابي:"فإذا حصلت فيه (أي في العقل الهيولاني) المعقولات التي انتزعها عن المواد صارت تلك المعقولات بالفعل، وكانت قبل أن تنتزع عن موادها معقولات بالقوة، وهي إذا انتزعت عقلا بالفعل بالتي هي بالفعل معقولات؛ فإنها معقولات بالفعل، وإنها عقل بالفعل شيء واحد بعينه. ومعنى قولنا فيها أنها عاقلة ليس هو شيء، غير أن المعقولات صارت صورا لها على أنها صارت بعينها تلك الصور، فإذن معنى أنها عاقلة بالفعل، وعقل بالفعل، ومقعولة بالفعل، معنى واحد بعينه" [3] ومعنى ذلك كله أن للمعقولات قبل أن تعقل وجودا بالقوة في الأشياء، ومتى انتزعها العقل عن الأشياء صارت معقولات بالفعل.
وأما العقل المستفاد، فهو الذي يدرك المعقولات المجردة والصور المفارقة. والفرق بين المعقولات المجردة والصور المفارقة أن الأولى منتزعة عن الأشياء المحسوسة على حين أن الثانية ليست في مواد أصلًا، وإنما هي مفارقة دائمًا، شأنها شأن العقول السماوية المفارقة. ولا يبلغ العقل بالفعل درجة العقل المستفاد إلا"بعد أن تحصل له المعقولات كلها معقولة بالفعل أو جلها" [4] ومتى بلغ العقل الإنساني هذه الدرجة لم يبق بينه وبين العقل الفعال شيء آخر" [5] فكأن العقل المستفاد مادة للمعقولات التي تفيض عليه من العقل الفعال وصورة للعقل بالفعل، وكأن العقل بالفعل مادة للعقل المستفاد، وصورة للعقل الهيولاني الذي يستمد عناصره من الصور الحسية والجسمانية."
وأما العقل الفعال، فهو آخر العقول السماوية المفارقة، وهو دائما بالفعل. قال الفارابي:"وتصير المعقولات التي بالقوة معقولات بالفعل إذا حصلت معقولة بالفعل، وهي تحتاج إلى شيء آخر ينقلها من القوة إلى أن يصيرها بالفعل، والفاعل الذي ينقلها من القوة إلى الفعل هو ذات ما جوهره عقل ما بالفعل ومفارق للمادة"
(1) - مقالة في العقل، ص 12.
(2) - الجمع بين رأي الحكيمين، ص 98 من طبعة بيروت.
(3) - مقالة في العقل، ص 15 - 16.
(4) - مقالة في العقل، ص 21.
(5) - مقالة في العقل، ص 22.