فلما كان اليوم الرابع اجتمع الأشراف والشيوخ إلى الجوامع ورفعوا المصاحف وضجوا بالبكاء وابتهلوا إلى الله تعالى بالدعاء، فرحمهم الأتراك ورقوا لهم وانحازوا إليهم وقاتلوا معهم، وكان أكثرهم مخالطا ومداخلا ومصاهرا، وانفرد العبيد وصار القتال معهم؛ وعظمت القصة وزادت الفتنة، واستظهرت كتامة والأتراك عليهم، وراسلوا الحاكم وقالوا: نحن عبيد ومماليك، وهذا البلد بلدك وفيه حرمنا وأموالنا وأولادنا وعقارنا، وما علمنا أن أهله جنوا جناية تقتضي سوء المقابلة، وتدعو إلى مثل هذه المعاملة. فإن كان هناك باطن لا نعرفه فأخبرنا به، وانتظرنا حتى نخرج بعيالنا وأموالنا منه. وإن كان ما عليه هؤلاء العبيد مخالفًا لرأيك فأطلقنا في معاملتهم بما يعامل به المفسدون والمخالفون. فأجابهم بأنه ما أراد ذلك، ولعن الفاعل له والآمر به، وقال: أنتم على الصواب في الذب عن المصريين، وقد أذنت لكم في نصرتهم، والإيقاع بمن تعرض لهم. وأرسل إلى العبيد سرا يقول: كونوا على أمركم؛ وحمل إليهم سلاحا قواهم به. وكان غرضه في هذا أن يطرح بعضهم على بعض، وينتقم فريق من فريق. وعلم القوم بما يفعل، فراسلته كتامة والأتراك: قد عرفنا غرضك، وهذا هلاك هذه البلدة وأهلها وهلاكنا معهم؛ وما يجوز أن نسلم نفوسنا والمسلمين والحريم للفتك وذهاب المهج. ولئن لم تكفهم لنحرقن القاهرة، ونستنفرن العرب وغيرهم. فلما سمع الرسالة؛ وكانوا قد استظهروا على العبيد ركب حمارة ووقف بين الصفين وأومأ للعبيد بالانصراف فانصرفوا، واستدعى كتامة والأتراك ووجوه المصريين واعتذر إليهم، وحلف أنه بريء مما فعله العبيد؛ وكذب في يمينه؛ فقبلوا الأرض بين يديه وشكروه، وسألوه الأمان لأهل مصر، فكتب لهم، وقرئ الأمان على المنابر، وسكنت الفتنة وفتح الناس أسواقهم وراجعوا معايشتهم. واحترق من مصر مقدار ثلثها، ونُهِبَ نصفها. وتتابع المصريون من أخذ أزواجهم وبناتهم وأخواتهم، وابتاعوهن من العبيد بعد أن فضحوهن، وقتل بعضهن نفوسهن خوفا من العار. واستغاث قوم من العلويين الأشراف إلى الحاكم، وذكروا أن بعض بناتهم في أيدي العبيد على أسوأ حال، وسألوه أن يستخلصهن، فقال الحاكم: انظروا ما يطالبونكم به عنهن لأطلقه لكم؛ فقال بعضهم: أراك الله في أهلك وولدك مثل ما رأينا في أهلنا وولدنا، فقد اطرحت الديانة والمروءة بأن رضيت لبنات عمك بمثل هذه الفضيحة، ولم يلحقك منهم امتعاض ولا غيرة. فحلم عنه الحاكم وقال له: أنت أيها الشريف محرج ونحن حقيقون باحتمالك وإلا غضبنا عليك وزاد الأمر على الناس فيما يفجؤهم به حالا بعد حال من كل ما تنخرق به العادات وتفسد الطاعات.
ثم عنَّ له أن يدعي الربوبية، وقرَّب رجلا يعرف بالأخرم ساعده على ذلك؛ وضم إليه طائفة بسطهم للأفعال الخارجة عن الديانة. فلما كان في بعض الأيام خرج الأخرم من القاهرة راكبا في خمسين رجلا من أصحابه، وقصد مصر ودخل الجامع راكبا دابته، ومعه أصحابه على دوابهم وقاضي القضاة ابن أبي العوام [1] جالس فيه ينظر في الحكم، فنهبوا الناس وسلبوهم ثيابهم وسلموا القاضي رقعة فيها فتوى، وقد صدرت باسم الحاكم الرحمن الرحيم. فلما قرأها القاضي رفع صوته منكرا، واسترجع وثار الناس بالأخرم وقتلوا أصحابه
(1) - ابن أبي العوام المحدث، الإمام أبوبكر، وأبوجعفر، محمد بن أحمد بن يزيد بن أبي العوام الرياحي. سمع: يزيد بن هارون، وعبد الوهاب بن عطاء العقدي. وجماعة وعنه: ابن عقدة، وإسماعيل الصفار، وأبوبكر الشافعي، وابن الهيثم الأنباري، وآخرون. قال الدارقطني: صدوق. مات سنة ست وسبعين ومئتين في رمضانها.