فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 392

الكبير بالقاهرة (يعني الذي هو داخل باب النصر) فتمَّمه هو، وكان على بنائه ونظره الحافظ عبد الغني بن سعيد. وكان الحاكم يفعل الشيء ثم ينقضه. وخرج عليه أبو ركوة الوليد بن هشام العثماني الأموي الأندلسي بنواحي برقة فمال إليه خلق عظيم؛ فجهز الحاكم لحربه جيشا فانتصر عليه أبو ركوة؛ ثم تكاثروا عليه وأسروه؛ ويقال: إنه قُتِل من أصحابه مقدار سبعين ألفًا. وحُمل أبو ركوة إلى الحاكم فذبحه سنة سبع وتسعين). انتهى كلام الذهبي باختصار.

وقال ابن خلِّكان [1] : ... نقلت خط الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي رحمه الله تعالى أن الحاكم المذكور كان جالسا في مجلسه العام وهو حفل بأعيان دولته، فقرأ بعض الحاضرين: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} ، والقارئ في أثناء ذلك كله يشير إلى الحاكم. فلما فرغ من القراءة قرأ شخص يعرف بابن المُشَجَّر (والمشجر بضم الميم وفتح الشين المعجمة والجيم المشددة وبعدها راء مهملة) وكان ابن المشجر رجلا صالحا فقرأ: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيء لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} . فلما انتهت قراءته تغير وجه الحاكم، ثم أمر لابن المشجر المذكور بمئة دينار، ولم يطلق للآخر شيئا. ثم إن بعض أصحاب ابن المشجر، قال له: أنت تعرف خُلُقَ الحاكم وكثرة استحالاته وما تأمن من أين يحقد عليك [وأنه لا يؤاخذك في هذا الوقت] ثم يؤاخذك بعدها فالمصلحة عندي أن تغيب عنه. فتجهز ابن المشجر إلى الحج ... انتهى كلام ابن خلكان رحمه الله.

وقال ابن الصابئ [2] : (كان الحاكم يواصل الركوب ليلا ونهارا، ويتصدى له الناس على طبقاته، فيقف عليهم ويسمع منهم، فمن أراد قضاء حاجته قضاها في وقته، ومن منعه سقطت المراجعة في أمره. وكان المصريون موتورين منه؛ فكانوا يَدسُّون إليه الرقاع المختومة بالدعاء عليه والسب له ولأسلافه، والوقوع فيه وفي حرمه، حتى انتهى فعلهم إلى أن عملوا تمثال امرأة من قراطيس مجفف وإزار، ونصبوها في بعض الطرق وتركوا في يدها رقعة كأنها ظلامة، فتقدم الحاكم وأخذها من يدها. فلما فتحها رأى أولها ما استعظمه فقال: انظروا هذه المرأة من هي؟ فقيل له: إنها معمولة من قراطيس؛ فعلم أنهم قد سخروا منه، وكان في الرقعة كل قبيح. فعاد من وقته إلى القاهرة، ونزل في قصره واستدعى القواد والعرفاء، وأمرهم بالمسير إلى مصر وضربها بالنار ونهبها، وقتل من ظفروا به من أهلها؛ فتوجه إليها العبيد والروم والمغاربة وجميع العساكر. وعَلِمَ أهل مصر بذلك فاجتمعوا وقاتلوا عن نفوسهم، وأوقعوا النار في أطراف البلد، فاستمرت الحرب بين العبيد والعامة والرعية ثلاثة أيام، والحاكم يركب في كل يوم إلى القرافة، ويطلع إلى الجبل ويشاهد النار ويسمع الصياح ويسأل عن ذلك، فيقال له: العبيد يحرقون مصر وينهبونها، فيظهر التوجع، ويقول: لعنهم الله! من أمرهم بهذا.

(1) - أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي أبوالعباس المؤرخ الحجة، والأديب الماهر، صاحب وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان وهوأشهر كتب التراجم، ومن أحسنها ضبطا وإحكاما. ولد في إربيل على شاطئ دجلة الشرقي سنة 608 هـ/1211 م، سافر إلى دمشق، واقام فيها فولاه الملك الظاهر قضاء الشام، وعزل بعد عشر سنين. تولى التدريس في مدارس دمشق وكان من الاعلام، وتوفى ودفن في سفح جبل قاسيون بدمشق سنة 681 هـ/1282 م.

(2) - ابن الصابئ: (ت 619 هـ) محمد بن إسحاق بن محمد أبوالحسين بن الصابئ، صاحب ديوان الإنشاء في أيام المستعين بأمر الله، بغدادي له عدة مصنفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت