والشمس، والقمر. فأقول: إن عارضنا من أهل الظاهر من يقول بأنكم لا تعلمون من القلم إلا ما علمتموه من الكرسي ولا من الكرسي إلا ما علمتموه من القضاء ولا من القضاء إلا ما علمتموه من الشمس، وكذلك لا تعلمون من اللوح إلا ما علمتموه من العرش ولا من العرش إلا ما علمتموه من القدر ولا من القدر إلا ما علمتموه من القمر. إذ أن هذه الألقاب عندكم واقعة على الأصلين، فيقال له: ليس الأمر كما توهمته وظننته فإنا نقول إن هذه الألقاب تؤدي إلى معرفة الأصلين ولكن لكل لقب منها موضع يستعمل في ذلك الموضع، فمن ذلك الكرسي والعرش يستعملان ويضافان إلى العقل والنفس إذا كانت الإفادة والاستفادة بينهما في معرفة التوحيد المجرد بنفس الصفات والإضافات، فالكرسي منهما هو محض السابق الذي يستعمل في تجريد مبدعه نفيا بعد نفي وإثباتا عند عجزه عن التطرق في النفي، والعرش ما يتعرش في النفس من الاستدلالات لكل شيء من الخلقة والفطرة ... فأما القلم واللوح فإنهما يضافان إلى الأصلين، ويستعملان في معرفة التراكيب ألا ترى أن بالقلم تظهر الصورة المتباينة بعضها من بعض وعلى اللوح تظهر متصلة، فأما في معرفة التوحيد ومعرفة الروحاني، فلا يستعمل القلم واللوح، وأما القضاء والقدر فإنهما يضافان إلى الأصلين ويستعملان في الإضافات الإنسية التي أقصاها إصابة الناطقية والأساسية وما يشرعه الناطق ويأوله الأساس ... وأما القدر فهو ما يقدره الأساس ويضع كل شيء منه موضعه من التأويل الذي يستقر في النفوس، فأما الشمس والقمر فإنهما يضافان إلى الأصلين أيضا ويستعملان في أمر الساعة كذلك طلوع الشمس من مغربها وجمع الشمس والقمر وخسف القمر وانشقاقه، فلما كان أمر العقل والنفس بهذه المنزلة من الترتيب كانت الإحاطة بهما من هذه الوجوه إحاطة علمية خلاف ما أضمرتموه فيهما، فأي افتخار أعظم من درك الحقائق والوقوف على الطرائق، وماذا تقولون لمن يعارضكم ويقول لكم من أنكر بالكرسي والعرش والقلم واللوح، أليس يكون عندكم كافرا مباح الدم والملك، فإن أنكر بالعقل والنفس ولم يعرفهما حق معرفتهما، أيكون أو لا يضره إنكارهما، فإن كان إنكاره بهما يلزمه الكفر فقد لزمكم الكفر فإنكاركم بهما، وإن لم يلزمه الكفر بإنكاره بهما كان المسمى إذن دون الاسم، إذ الكرسي والعرش والقلم واللوح أسماء يسمى بها العقل والنفس. فما بال الرجل يصير كافرا بإنكاره الأسامي ولا يكون كافرا بإنكاره المسميات التي من أجلها وضعت الأسامي] [1] .
وقالوا: [وبين العزيز الحكيم أن لزوم العقوبة للكفار في السعير من أجل تخلفهم عن العقل وضيائه] [2] .
وقالوا:[واعلم بأن الله سبحانه وتعالى لما أظهر العالم من العدم إلى الوجود، فتق ورتق وقدر فظهر له اسم ليس كمثله شيء، ولا قبله شيء، ولا لخلقه زمان ولا أوان، وهو العقل الذي جعله الله الواسطة بينه وبين عباده حين خاطبه بقوله:"أنت فتقي ورتقي، والمشرق مني على خلقي، بك آخذ حقي، وبك أنجز وعدي، فوعزتي وجلالي، لا أصل من يجحدك، ولا يعرفني من أنكرك، فأنت مني بلا تبعيض، وأنا فيك بلا حلول، وفي منتهى لطائف العقول".
فالعقل يدرك الأشياء بلا حاسة وهو عالم بالشيء قبل كونه، ومحيط بالأشياء لا محاط به. لا موصوف ولا مدرك، ولا يقع عليه أثر، ولا تحيط بعلمه الصور] [3] .
(1) - الافتخار، ص/ 38 - 40.
(2) - الافتخار، ص / 42.
(3) - أربع رسائل إسماعيلية، تحقيق عارف تامر (الرسالة الأولى لشهاب الدين أبوفراس، ص/ 17) .