فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 392

من دينهم النقي السامي. لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها والعصبية لها. حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيرا من كلمات"تقديس القانون""قدسية القضاء""حرم المحكمة"وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء الإسلاميين. بل هم حينئذ يصفونها بكلمات"الرجعية""الجمود""الكهنوت""شريعة الغاب"إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية، التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين! ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراساتها كلمة"الفقه"و"الفقيه"و"التشريع"و"المشرع"، وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها. وينحدرون فيتجرأون على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته وبين دينهم المفترى الجديد!!

ثم نفوا شريعتهم الإسلامية عن كل شيء، وصرح كثير منهم في كثير من أحكامها القطعية الثبوت والدلالة بأنها لا تناسب هذا العصر، وأنها شرعت لقوم بدائيين غير متمدينين، فلا تصلح لهذا العصر الإفرنجي الوثني!! خصوصا في الحدود المنصوصة من الكتاب والعقوبات الثابتة في السنة.

فترى الرجل المنتسب للإسلام، والمتمسك به في ظاهر أمره، المشرب قلبه هذه القوانين الوثنية، يتعصب لها ما لا يتعصب لدينه. بل يجتهد ليتبرأ من العصبية للإسلام، خشية أن يرمى بالجمود والرجعية! ثم هو يصلي كما يصلي المسلمون، ويصوم كما يصوم المسلمون، وقد يحج كما يحج المسلمون. فإذا ما انتصب لإقامة القانون، لبسه شيطان الدين الجديد، فقام له قومة الأسد يحمي عرينه، ونفى عن عقله كل ما عرف من دينه الأصلي! ورأى أن هذه القوانين ألصق بقلبه، وأقرب إلى نفسه! هذا في المستمسك منهم بدين الإسلام، وهم الأقل. ودع عنك أكثرهم.

وقد ربى لنا المستعمرون من هذا النوع طبقات، أرضعوهم لبان هذه القوانين، حتى صار منهم فئات عالية الثقافة، واسعة المعرفة في هذا اللون من الدين الجديد، الذي نسخوا به شريعتهم. ونبغت فيه نوابغ يفخرون بها على رجال القانون في أوربة، فصار للمسلمين من أئمة الكفر، ما لم يبتل به الإسلام في أي دور من أدوار الجهل بالدين في بعض العصور.

وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها. سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئا من أحكام الشريعة وما خالفها. وكله باطل وخروج، لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة، لا اتباعا لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله. فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار. لا يجوز لمسلم أن يخضع له أو يرضى به] [1] .

36 -قال محمود شاكر: [اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة وبعد فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا قد تلتمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام ... فهذا العمل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثارًا لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القابل به والداعي إليه] [2] .

(1) - عمدة التفسير (3/ 213 - 215) .

(2) - المصدر السابق، (4/ 156 - 157) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت