ونعود لموضوعنا وهو محاولة تلبيس محمد عمارة على الإسلاميين بتفريقه بين لفظي الفصل والتمييز، وسنستشهد بقول أحد العلمانيين الذين أعجبهم فعل محمد عمارة.
يقول شبلي العيسمي (وهو درزي، كان أمينًا عامًا لحزب البعث) : [ثم يخرج الدكتور محمد عمارة بطرح يقود إلى نتيجة أخرى وهي أن الإسلام يتضمن المعاني الأساسية للعلمانية وهو بذلك يقرها على مضامينها الإيجابية ويعترف بأنها تحتوي على ما هو جيد ومفيد وكأنه بذلك يرفض استخدام كلمة العلمانية مع الإقرار بمحتواها وهو إذ ينطلق من نظرة واعية ومتحررة في فهم الإسلام فإن ما وصل إليه بقوله:"وما الذين يختارون العلمانية أو الذين يسعون إلى الدولة الدينية إلا مقلدون"، يبدو أنه هروب ذكي من العلمانية الصريحة والأخذ بما ترمي إليه بالاستناد إلى تفسيرات دينية ومن ثم إعطاء مضمونها الصيغة الإسلامية وهو إذ يحاول أيضًا أن يخرج بنظرية أو بحل لمشكلتي العلمانية والدولة الدينية بقوله"هذا الموقف الوسط هو الذي نسميه (التمييز) وليس (الفصل) أو (الوحدة) بين الدولة والدين، فالتمييز هو المصطلح الأصح والأدق للتعبير عن هذه العلاقة بينهما"... ثم إن مصطلح التمييز الذي اعتبره الدكتور عمارة حلًا للمسألة العلمانية والإسلام ينطوي على نزعة وسطية توفيقية على طريقة ابن رشد في التوفيق بين الحكمة والشريعة أي بين الفلسفة والدين أو أنها توحي بحل وسط يقرب مما يسمى بالمنزلة بين المنزلتين على حد تعبير المعتزلة ولكن بعضهم يرى في ذلك نوعًا من التلفيق أو اللعب على الألفاظ، أما نحن فنرى فيه اجتهادًا مفيدًا في استبعاد الدولة الدينية] [1] .
والحقيقة أن شبلي العيسمي كان أكثر وضوحًا من محمد عمارة فهو يقول عن العلمانية: [هي نظام من المبادئ والتطبيقات يرفض كل صورة من صور الإيمان الديني والعبادة ... الدينية] [2] .
أما محمد عمارة فهو في كتاباته يصور العلاقة بين الدولة والدين علاقة تمييز ويحاول عرض هذا التمييز بأنه أخف من مصطلح الفصل علمًا أن التمييز هو أشد أنواع الفصل، وكتاباته في هذا المجال هي عين العلمانية، وذات العلمانية، وحقيقة العلمانية اللادينية.
فمحمد عمارة مثلًا يصر على أن حروب الردة ليست دينية؛ بل هي سياسية فيقول: [نحن إذا تأملنا موقف أبو بكر الصديق من قتال القبائل التي بقيت على إسلامها بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكنها امتنعت عن تسليم زكاة أموالها .... إذا تأملنا هذا الموقف وجدناه نموذجًا جيدًا للتعبير عن طبيعة العلاقة بين الدين والدولة في نهج الإسلام، فالذي رفضته هذه القبائل وارتدت عنه لم يكن دين الإسلام ... وكانوا في هذا الموقف مرتدين عن وحدة الدولة والتوحيد القومي] [3] .
ثم يقول [فكانت بيعة العقبة هذه عقدًا سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا] [4] .
المهم أنه ليس عقدًا دينيًا. ثم يحدِّد لنا شكل الدولة في الإسلام فيقول:
(1) - العلمانية والدولة الدينية - شبلي العيسمي، ص / 81 - 82.
(2) - المصدر السابق، ص / 15.
(3) - نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام محمد عمارة. طبع دار الرشاد 1997/ ص 45.
(4) - المصدر السابق، ص / 48.