قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا أُسْنِدَ الأمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ [1] .
وروى أحمد بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: {إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَال: السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ} [2] .
أما بعد. فإني أقدم للقارئ الكريم الحلقة الأولى من سلسلة"تسليط الضوء"، التي سأقوم فيها - إن شاء الله - بتسليط الأضواء على بعض الأفكار والشخصيات، التي كثرت حولها المقالات، فرفعها المغالون إلى عنان السماء أوكادوا، ووصفوها بما يوصف به الأنبياء أو زادوا، وأحلُّوها من الدين مقام الإمامة، ومن الأمة مكان الزعامة.
أقدِّم ذلك متوكلًا على الله عز وجل، وطالبًا منه العون والسداد، والتوفيق والرشاد، وسيكون موضوع هذه الحلقة: (محمد عمارة والروَّاد) .
والريادة أمر كبير، ومرتقىً خطير، لا يستطيعه إلا من وفقه الله للهداية، وأبعده عن مضلات الهوى والغواية، والرائد من الارتياد، والجمع روَّاد، وفي حديث عليّ - رضي الله عنه - في صفة الصحابة رضوان الله عليهم أَجمعين:"يدخلون رُوَّادًا، ويخرجون أَدلة"أَي يدخلون طالبين للعلم ملتمسين للحلم من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويخرجون أَدلَّة هُداة للناس. وأَصل الرائد الذي يتقدّم القوم يُبْصِر لهم الكلأَ ومساقط الغيث [3] .
فمن تقدَّم قومه كان رائدهم، فمنجيهم أو موبقهم، لاختياره المسالك، وتجنُّبه أو وروده المهالك، فمن ارتاد المنتجع الأوسع، والمكان الأرفه الأمتع، كان كوفد عبد القيس، فيما ابتغى من الكَيْس، فكان فأل القبيلة وسعدها، وبمثله قيل: (قتل أرضًا عالمها) ، ومن ترك اللائق، وركب المزالق، كان كقُدار، يُحلُّ أهله دار البوار، ويورد شيعته مهلكها، وبمثله قيل: (قتلت أرضٌ جاهلها) ، وفي المثل"الرائد لا يكذب أهله"ولا يمنع فضله.
ثمّ أخذت الريادة معنىً أعمَّ وأجمع، ومركزًا أهمَّ وأمنع، فعَنَوا بها القيادة والزعامة، والأسوة والإمامة. والريادة في الدين طريقان: طريق فذٌّ واحد يهدي إلى الجنان، فأفرده الله عز وجل ووصفه بالنور فقال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [4] .
وقال الله تعالى: {الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [5] .
وآخر ينشعب إلى شُعَب، وكلها يُفضي إلى أمِّ لهب، ووسمه الله تعالى بالظلمات وذكره بصيغة الجمع فقال - جل جلاله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
(1) - رواه البخاري برقم (6496) .
(2) - رواه أحمد برقم (7852) .
(3) - انظر لسان العرب (3/ 187) .
(4) - سورة البقرة: 257.
(5) - سورة إبراهيم: 1.