[ومبدأ هذا من أقوال الذين يعارضون النصوص بآرائهم كما ذكر الشهرستاني في أول كتابه في الملل والنحل أن مبدأ أنواع كل الضلالات هو من تقديم الرأي على النص واختيار الهوى على الشرع، فسرى في المنتسبين إلى العلم والدين من أهل الفقه والكلام والتصوف من أقوال الملاحدة بسبب هذا الأصل ما لا يعلمه إلا الله. وأما ملاحدة الشيعة من القرامطة الباطنية والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم، فأولئك أمرهم أظهر من أن يخفى على من عرف حالهم، ممن فيه نوع إيمان بالله ورسوله. ولهذا كثر الكاشفون لأسرارهم، الهاتكون لأستارهم من جميع أصناف أهل القبلة حتى الشيعة والمعتزلة ونحوهم، فإنهم متفقون على تكفيرهم كما اتفق على تكفيرهم أئمة السنة ومن انتسب إليهم من متكلمة الإثبات وغيرهم.
وصنف القاضي أبو بكر -الباقلاني - كتابه المشهور، ووصف فضائحهم القاضي عبد الجبار [1] ، والقاضي أبو يعلى [2] ، وأبو الوفاء بن عقيل [3] ، وأبو حامد الغزالي، والشهرستاني [4] ، والخبوشاني [5] ، وغير واحد من العلماء وتكلموا في العبيديين الذين كانوا بالمغرب ومصر، الذين ادعوا النسب العلوي وأضمروا مذهبهم. تكلموا فيهم بما بينوا فيه بطلان نسبهم كما عرفوا بطلان مذهبهم، وأن باطن مذهبهم أعظم كفرا من أقوال كفار أهل الكتاب، ومن أقوال الغالية الذين يدعون نبوة علي أو إلهيته ونحوهم، إذ كان مضمون مذهبهم تعطيل الخالق وتكذيب رسله، والتكذيب باليوم الآخر، وإبطال دينه.
وقد ذكروا منتهى دعوتهم في البلاغ الأكبر والناموس الأعظم الذي لهم، وأن أقرب الطوائف إليهم الفلاسفة، مع أنهم خالفوا الفلاسفة في إثبات واجب الوجود، فإن الفلاسفة الإلهيين يثبتونه، وهؤلاء أصحاب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم أنكروه كما فعلت الدهرية الطبيعية] [6] .
هذه هي الدولة الفاطمية وأفاعيلها النجسة: من نشرٍ للمذهب العبيدي الباطل، واختراع للفرق الضالة، وتقديم لليهود والنصارى الذين حكمتهم الدولة برقاب المسلمين.
هذه هي الدولة الفاطمية التي يرى فيها محمد عمارة أن حكمها كان العصر الذهبي الذي عاشته مصر وهو أزهى العصور الإسلامية وهذه هي شخصية الحاكم معشوق محمد عمارة وصاحب الشخصية المتميزه عن
(1) - القاضي عبد الجبار ابن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن خليل، العلامة المتكلم، شيخ المعتزلة، أبوالحسن الهمذاني صاحب التصانيف، من كبار فقهاء الشافعية. ولي قضاء القضاة بالرَّي، مات في ذي القعدة سنة خمس عشرة وأربع مائة من أبناء التسعين
(2) - محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء، أبويعلىَ: (380_458 هـ) عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون. من أهل بغداد. ارتفعت مكانته عند القادر والقائم العباسيين. وولاه القائم قضاء دار الخلافة والحريم، وحران وحلوان، وكان قد امتنع، واشترط أن لا يحضر أيام المواكب، ولا يخرج في الاستقبالات ولا يقصد دار السلطان، فقبل القائم شرطه.
(3) - أبوالوفاء البغدادي علي بن عقيل بن محمد بن عقيل علامة العراق وشيخ الحنابلة في بغداد في وقته، له تصانيف أعظهما كتاب الفنون أصله في أربعمائة جزء، قال الذهبي في تاريخه كتاب الفنون لم يصنف في الدنيا أكبر منه وبقي منه القليل القليل، وله الواضح في النحو،، والفصول في فقه الحنابلة،
(4) - الشهرستاني: (479 - 548 هـ) هومحمد بن عبد الكريم بن أحمد أبوالفتح الشهرستاني، كان إمامًا في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، يلقب بالأفضل، قال ياقوت في وصفه: الفيلسوف المتكلم صاحب التصانيف، كان وافر الفضل ولولا تخبطه في الاعتقاد ومبالغته في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم لكان هوالإمام.
(5) - هوأبوالبركات نجم الدين محمد بن الموفق ابن سعيد ابن علي الخبوشاني، نسبة إلى خبوشان، بليدة بناحية نيسابور، ولد سنة 510 هـ وتوفي بالقاهرة 587 هـ.
(6) - درء تعارض العقل والنقل للإمام ابن تيمية 5/ 9.