بالاستقاء وذلك بنص آخر وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «ومن استقاء فعليه القضاء» [1] ، فبقي الحكم في الذرع على الأصل [2] .
الدليل السادس: ولأن ذرع القيء مما لا يمكن التحرز عنه، بل يأتيه على وجه لا يمكنه دفعه، ولا صنع له فيه، والإنسان لا يؤاخذ بما لا صنع له فيه؛ فأشبه الناسي [3] .
أدلة القول الثاني: القائلين بأن من ذرعه القيء يفطر وعليه القضاء.
عن معدان بن طلحة، أن أبا الدرداء - رضي الله عنه -، حدثه «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر» فلقيت ثوبان - رضي الله عنه - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء، حدثني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر، قال: صدق، وأنا صببت له وضوءه - صلى الله عليه وسلم - [4] .
وجه الاستدلال: في قوله: «قاء فأفطر» ، دليل على أن القيء يفطر مطلقا، سواء كان غالبا أو مستخرجا. ووجه الاستدلال: أن (الفاء) تدل على أن الإفطار كان مُرتَّبا على القيء، وبسببه، وهو المطلوب [5] .
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن من ذرعه القيء فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه؛ وذلك لصحة ما استدلوا به، ولأنه إجماع أهل العلم. ولا أدري هل صح ما نقلوه عن الحسن البصري أم لا؟ ، فإن الرواية التي وافق فيها الجمهور قد صحت عنه [6] .
أما ما نقل عنه في الرواية الثانية فلم أجد من أسندها إليه، والله أعلم.
وأما الجواب عن حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قاء فأفطر» ، فمعناه استقاء فأفطر [7] .
ويؤيد حمل قوله قاء على القيء عامدا على الرواية التي استدل بها أصحاب القول الأول, والتي فيها: «استقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأفطر» . والله أعلم.
(1) سبق تخريجه صفحة (326) .
(2) ينظر: بدائع الصنائع 2/ 92، والبناية 4/ 50.
(3) ينظر: بدائع الصنائع 2/ 92.
(4) سبق تخريجه صفحة (325) .
(5) ينظر: مرعاة المفاتيح 6/ 514، وتحفة الأحوذي 1/ 242.
(6) ينظر: نخب الأفكار 8/ 531.
(7) ينظر: شرح البخاري لابن بطال 4/ 81، السنن الكبرى 4/ 371، وفتح الباري 4/ 175.