ثم قال: (فإنْ قلتَ: فيلزم أن العتق المنجز لا يقع إذا لم ينو التقرب به، وأن النذر المنجز أو المعلق إذا لم يقصد التقرب به لا يقع) [1] .
وقال: (قلتُ: أما الأول: فإما أَنْ يلتزم [2] ذلك على مذهب أبي ثور وَيُفَرِّق بين الطلال والعتق، وإما أَنْ يقول: قصد التقرب لا يشترط إلَّا للثواب [3] [4] ، ولم يجُبْ عن قصد النذر؛ وقد تقدم الكلام على ما في هذا الكلام من الفساد [5] ، والمقصود هنا الإشارة.
ثم نقول جوابًا عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أن ابن عبَّاس تَكَلَّمَ بصيغةِ حصر، وصيغةُ الحصر يُنفى بها ما كان من جنس المثبت، لا يُنفى بها كل ما سوى المثبت؛ كقوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) } [الرعد: 7] {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ} [الغاشية: 21 - 22] ، فهو لم ينف جميع الصفات سوى الإنذار، فإنه مبشر مع كونه منذر، وهو شاهد وداعٍ إلى الله - تعالى -كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} [الأحزاب: 45، 46] فوصفه بأربع صفات، وكونه نذيرًا واحد منها فليس مراده بقوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} لست ببشيرٍ ولا شاهدٍ ولا داعٍ إلى الله، وإنَّما مقصوده: نَفْيُ كونه يهدي من يشاء ويضل من يشاء،
(1) "التحقيق" (34 / ب) .
(2) في الأصل: (يلزم) ، والمثبت من"التحقيق".
(3) وعبارته في"التحقيق": (العتق لا يشترط فيه التقرب إلَّا للثواب عليه ... ) .
(4) "التحقيق" (34 / ب) .
(5) انظر: (ص 5 وما بعدها، ص 16 وما بعدها، ص 370 وما بعدها) .