ومَنْ فَرَّقَ بين ما جمع الله بينه كان بمنزلة من يقول: الميراث للابن الكبير الذي يَرُدُّ الغَارةَ دون النساء والصبيان، فَيُفَرِّق في الميراث بين ما جمع الله بينه، فإنَّ الله -تعالى- سَوَّى في الميراث بين الصغير والكبير، والغني والفقير، وإِنْ كان قد فَرَّقَ بينهما في أحكام أخرى.
ومن الأول [1] أَنْ يقول: إِنَّ البُضْعَ كالمال، فإذأ مات الإنسان ورث وليه امرأته كما يرث ماله، أو يقول: الظهار كالطلاق، لأنه لفظٌ قُصِدَ به الطلاق، فيكون كنايةً فيه كسائر الكنايات؛ ونحو ذلك من الأقيسة التي تتضمن الجمع بين ما فَرَّقَ الله -تعالى- بينه.
ومن الثاني أَنْ يقول: إذا كان الحانث في يمينه غنيًّا فينبغي أَنْ يؤمر بكفارة الظهار، فإنَّ فيه تغليظًا [2] عليه بخلاف الفقير، فيريد أَنْ يفرق بين ما جمع الله -تعالى- بينه، وكذلك إذا قال: يجوز للإنسان أَنْ يعتق عبد غيره ويؤدي ثمنه، لأنَّ هذا قربة إلى الله -تعالى- بخلافِ الطلاق، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد سَوَّى بيمهما حيث قال:"لا عِتْقَ لابن آدم إلا فيما يملك، ولا طلاق لابن آدم إلا فيما يملك" [3] ، ونظائر هذا كثيرة [4] .
فإنَّ كثيرًا من الصفات التي يَظُنُّ كثير من الناس أَنَّ لها ما يؤثر [5] في الجمع والفرق، وهي ملغاة عند الله -تعالى- ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما ذكره هذا
(1) أي: الجمع بين ما فَرَّق الله ورسوله بينه.
(2) في الأصل: (تغليظ) ؛ والصواب ما أثبتُّ.
(3) تقدم تخريجه في (ص 480) .
(4) انظر بعضًا منها في المواضع التي تقدم ذكرها قريبًا.
(5) في الأصل: (يرى) ، ولعل الصواب ما أثبتُّ.