الكرام يقومون به من دور التفقيه للناس وتعليمهم أساليب الاستنباط من النصوص مع تعظيم قدرها والائتمار بأمرها على ما وعَوه من منهج النبي - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم -، حيث كان الأثر هو الأساس ثم يقع الاعتماد على الرأي بالقدر الذي يفسر الحديث.
إلا أن هذا الوضع لم يدم طويلا فمع مرور الأيام ظهر فريقان: فريق اعتنى بالنظر على حساب الأثر، وفريق غلب الأثر على حساب النظر. فنشأ حينها مايسمى: أهل الفقه وأهل الحديث.
أما أهل الفقه فقد كان الغالب عليهم الاعتناء بالنظر مع سوء الحفظ لمتون السنة، كما أن جمع السنة وتدوينها لم يكن قد اكتمل بعدُ، إضافة إلى ما يعانيه هؤلاء الفقهاء من سوء الحفظ مما أثّر في منهجهم الفقهي أثرًا بالغا تجلى في اعتمادهم على أساليب من الرأي كالقياس والاستحسان .. وتوسعهم فيها؛ وكان هذا ظاهرًا في غالب أهل العراق.
ولذا قال الزهري:"لَوْلَا أحاديث تَأْتِينَا مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ نُنْكِرُهَا لَا نَعْرِفُهَا , مَا كَتَبْتُ حَدِيثًا وَلَا أَذِنْتُ فِي كِتَابِهِ" [1] .
وأما أهل الحديث فقد كانت عنايتهم بالأسانيد والتفتيش عن رجالها وضبط ألفاظ الحديث، وكان فيهم الفقيه وغير الفقيه، وهؤلاء كان كل همهم جمع الطرق والبحث عن الغريب ... مع إهمال منهم لجانب التفقه الذي هو الغاية والثمرة.
بل قد يذمّ أحد الفريقين الآخر، فيصف أهلُ الحديث أهلَ الفقه باتباع الهوى والرأي، ويصف أهلُ الفقه أهلَ الحديث بالجهل بالأحكام وحمل الأسفار، وغير ذلك.
(1) البغدادي؛ أحمد بن علي بن ثابت؛ تقييد العلم؛ (بيروت: احياء السنة) ص 108.