الفصل الرابع
صفة قيام الحجة في المسائل الظاهرة والخفية
اشتبه على كثير من الباحثين في هذه المسألة لفظ قيام الحجة، ففسروا هذا اللفظ تفسيرًا يخالف مراد العلماء الأعلام، وملخص هذا التفسير أنهم قالوا في صفة قيام الحجة: أنه لا بد أن يقيمها عالم يدحض شبهات المخالف شبهة شبهة، واشترطوا في مقيمها شروطًا قد لا تتوفر في المجتهدين من علماء الأمة، فضلًا عن توفرها في الدعاة إلى الإسلام اليوم، وطبقوا هؤلاء هذا المفهوم على مسائل الشرك الأكبر الظاهرة، وعلى المسائل الخفية سواء بسواء، وإنما أوقع هؤلاء في هذا التفسير الخاطئ؛ إطلاق كثير من العلماء الأعلام لفظ قيام الحجة في معرض حديثهم عن عارض الجهل، فظن هؤلاء أن مفهوم قيام الحجة له هذه الشرائط، وفاتهم أن يفرقوا بين أمور دقيقة، وهي الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة، وأن هناك فرقًا بين صفة القيام في المسائل الظاهرة والمسائل الخفية، وإليك بيان هذه الفروق، فنقول وبالله التوفيق:
إن صفة قيام الحجة في المسائل الظاهرة [1] هي: بلوغ الدليل من القرآن والسنة، فمن بلغه الدليل أو سمع به فقد قامت عليه الحجة، ولا يشترط التعريف من عالم أو غيره، فالحجة التي يرتفع بها الجهل ينقطع العذر بها في المسائل الظاهرة هي كتاب الله وسنة رسوله، والعبرة ببلوغ الحجة والسماع بها، وليست بفهم الحجة.
أما المسائل التي تخفى فيها طرق الأدلة، ويقع فيها التأويل بحيث يضعب على المكلف تحصيلها بنفسه؛ فصفة قيام الحجة فيها هي: بلوغ الدليل وشرحه، وتفهيم المراد منه، ورد الشبهات به ممن يُحسن أن يفعل ذلك من أهل العلم [2] .
(1) - من المفيد أن نذكر أن لفظ قيام الحجة مذكور في كلام العلماء في المسائل الظاهرة والخفية ولكن صفة قيام الحجة تختلف من المسائل الظاهرة إلى الخفية، فصفة قيام الحجة في المسائل الظاهرة -بلوغ الدليل والسماع به، وصفة قيامها في المسائل الخفية: بلوغ الدليل وشرح وإزالة التأويل المشتبه فيه، فإذا فهمت هذا الفرق زالت كثير من الإشكالات التي ترِدُ في كلام العلماء عند ذكرهم للفظ قيام الحجة أ. هـ.
(2) - راجع الفصل الثاني من هذا البحث لتقف على ما يندرج تحت المسائل الظاهرة وتحت المسائل الخفية.