فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 402

البرهان الثاني:

قال تعالى (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الأنعام: 137] فوجه الدلالة في هذه الآية أنها تتحدث في معرض تقديم الكفار والمشركين أولادهم نذورًا وقرابين للأوثان والأصنام من دون الله تبارك وتعالى، ولا شك أن ذلك من الشرك الأكبر الذي هو من أعظم الذنوب، ثم يخبرنا تعالى شأنه أن خلف هذا الشرك شركاء وشياطين يحسّنونه، ويزينونه ويلبسونه، أي: يخلطون الحق بالباطل تزيينًا وتحسينًا للشرك، ومع ذلك التزيين والتحسين والتلبيس لهذا الباطل من هؤلاء الشركاء لأتباعهم لم يجعله الله عذرًا لهؤلاء الذين أطاعوهم، واتبعوهم عن جهل منهم بحقيقة هذا التزيين والتلبيس؛ بل سمّى المطيع لهؤلاء الشركاء مشركا؛ وبذلك تعلم خطأ ما يحتج به بعض المتأخرين من أن الذين يفعلون الشرك في زماننا مُلبّس عليهم من قبل علماء السوء الذين خلطوا الحق بالباطل، فنقول لهؤلاء الذين قالوا تلك المقالة: هل عدّ الله هذا التلبيس عذرًا لأهل الشرك قديمًا حتى يعدّ عذرًا لمشركي زماننا؟ -وإليك ما قاله أهل التفسير في تفسير الآية.

يقول القاسمي:" (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ) [الأنعام: 137] أي: مثل ذلك التزيين، وهو تزيين الشرك في القسمة المتقدمة، زين لهم أولياؤهم من الشياطين ما هو أشد منه قبحًا في باب القربان، وهو قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات خشية العار، وإنما سُميت الشياطين شركاء؛ لأنهم أطاعوهم فيما أمروهم به من قتل أولادهم فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم. (لِيُرْدُوهُمْ) أي: يهلكوهم بالشرك وقتل الولد، من الإرداء وهو لغة: الإهلاك، (وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) أي: ليخلطوا عليهم ما هم عليه من دين إبراهيم في ذبح إسماعيل عليهما السلام أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به؛ لأنهم كانوا على دين إسماعيل، فهذا الذين أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق .." [1] .

فانظر إلى قوله رحمه الله:"ليخلطوا عليهم ما هم عليه من دين إبراهيم"في تفسير (وَلِيَلْبِسُوا) [الأنعام: 137] ، ولا شك أن اتباع هذا الخلط واللبس إنما هو ناشئ عن الجهل بأن هؤلاء الشركاء خلطوا الحق بالباطل، ومع ذلك فلم يجعل الله تبارك وتعالى ذلك الخلط والتلبيس عذرًا لهم فيما فعلوه من الإشراك به.

(1) - محاسن التأويل: (ص731) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت