فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 402

البرهان الخامس:

قال تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ) [الأنبياء: 24] .

ووجه الدلالة من الآية أن الله أخبر أن أكثر المشركين لا يعلمون الحق، ومن أعظم الحق التوحيد؛ ولأجل عدم علمهم وجهلهم بهذا الحق فهم معرضون عنه، وعن البحث عن تعلمه، فالإعراض عن تعلم الحق والجهل به ليس عذرًا، بل إن العلماء قد عدوا هذا النوع من الجهل الناشئ عن الإعراض كفرًا مخرجًا عن ملة الإسلام وأسموه بكفر الإعراض.

وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كفر الإعراض:"العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلّمه ولا يعمل به. والدليل: قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) [السجدة: 22] [1] ."

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان عن صفة الإعراض، ومتى يكون كفرًا مخرجًا عن الملة، ومتى لا يكون كفرًا، يقول رحمه الله وقد سُئل عن الإعراض:"وأما المسألة الثالثة، وهي قول السائل: ما الإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام؟ ما حكمه؟ هل يطلق على كل معرض أم لا؟ فالجواب أن نقول: إن هذه المسألة، هي مسألة الجاهل المعرض، وقد ذكر أهل العلم أن الإعراض نوعان: نوع يخرج من الملة، ونوع لا يخرج من الملة، فأما الذي يخرج من الملة فهو الإعراض عن دين الله لا يعلمه ولا يتعلمه، كما هو مذكور في نواقض الإسلام العشرة، وهذا المعرض هو الذي لا إرادة له في تعلم الدين، ولا يُحدّث نفسه بغير ما هو عليه، بل هو راض بما هو عليه من الكفر بالله والإشراك به، لا يؤثر غيره ولا تطلب نفسه سواه، وأما الذي لا يخرج من الملة، فهو المعرض العاجز عن السؤال والعلم الذي يتمكن به من العلم والمعرفة، مع إرادته للهدى وإيثاره له ومحبته له، لكنه غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم المرشد، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية وفي طبقات المكلفين من كتاب طريق الهجرتين -أن القسم الثاني من العاجزين عن السؤال والعلم الذي يتمكنون به من العلم والمعرفة قسمان أيضًا: أحدهما: مريد للهدى، مؤثر له، محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم المرشد، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة، الثاني: معرض لا إرادة له، ولا يحدّث نفسه بغير ما هو عليه، فالأول يقول: يا رب، لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه لدنت به، وتركت ما أنا عليه، فهو غاية جهدي، ونهاية معرفتي، والثاني: راض بما هو عليه، لا يؤثر غيره، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز، وهذا لا يجب أن يلحق بالأول، لما بينهما من الفرق،"

(1) - راجع التبيان في شرح نواقض الإسلام (ص75) ط/ دار الوطن للنشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت