فالأول كمن طلب الدين في الفترة، فلم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغه الوسع في طلبه عجزًا، أو جهلًا، والثاني لم يطلبه بل مات على شركه، وإن كان طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب، وعجز المعرض. هذا ملخص ما ذكره ابن القيم [1] .
ويقول الإمام الشوكاني عند تفسيره لهذه الآية:"ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: 29] ، وهذا إضراب من جهته -سبحانه- وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان، إلى بيان أنه لا يؤثّر فيهم إقامة البرهان، لكونهم جاهلين للحق لا يُميّزون بينه وبين الباطل. (فَهُم مُّعْرِضُونَ) تعليل لما قبله من كون أكثرهم لا يعلمون أي فهم لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم، معرضون عن قبول الحق، مستمرون على الإعراض عن التوحيد، واتباع الرسول، فلا يتأملون حجة، ولا يتدبرون برهانًا، ولا يتفكرون في دليل -إلى أن قال-، وختم الآية بالأمر بعبادته فقال: (فَاعْبُدُونِ) ، فقد اتضح لكم دليل العقل، ودليل النقل، وقامت عليكم حجة الله .." [2] .
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في معرض كلامه عن الإعراض:"المسألة الرابعة أن أحوال الناس تتفاوت تفاوتًا عظيمًا، وتفاوتهم بحسب درجاتهم في الإيمان إن كان أصل الإيمان موجودًا، والتفريط والترك إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات والمستحبات، أما إذا عُدِم الأصل الذي يُدْخل به الإسلام، وأعرض عنه بالكلية، فهذا كفر إعراض .." [3] .
ثم يقول الشيخ عبد اللطيف:"إن الإنسان لا يكفر إلا بالإعراض عن تعلم الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، لا ترك الواجبات والمستحبات .." [4] .
(1) - إرشاد الطالب إلى أهم المطالب للشيخ ابن سحمان: (ص11، 13) ط/ دار مروان للطباعة.
(2) - فتح القدير للإمام الشوكاني: (3/ 403) .
(3) - منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع لابن سحمان: (ص64) ط/ دار مروان.
(4) - منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع لابن سحمان: (ص64) ط/ دار مروان.