فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 402

البرهان السادس:

قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: 39 - 40] .

فوجه الدلالة من الآية الكريمة أن الله يخبرنا عن جهل طائفة من أهل الكفر والشرك، وأنها تحسب أن ما تفعله من الشرك والكفر، وعبادة غير الله -قد ينفعها عند الله، جهلًا منها بسوء عاقبة ما تفعله، فلم يذكر سبحانه وتعالى لنا في كتابه الكريم أن ذلك الجهل والحسبان بأنهم على الحق والصواب -عذر لهم، بل حكم سبحانه وتعالى عليهم بالكفر، مع حالهم هذا الذي قد وضحه لنا في كتابه، وفي هذا يقول الحافظ ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بقوله:"هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين: ناريًا ومائيًا، وكما ضرب لما يَقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين: مائيًا وناريًا، وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة؛ فأما الأول من هذين المثلين: فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام .. -إلى أن قال-: فلما انتهى إليه (لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) فكذلك الكافر، يحسب أنه قد عمل عملًا، وأنه قد حصّل شيئًا، فإذا وافى الله يوم القيامة، وحاسبه عليها، ونوقش على أفعاله، لم يجد له شيئًا بالكلية قد قُبِل، إما لعدم الإخلاص، وإما لعدم سلوك سبيل الشرع، كما قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان: 23] ، وقال ههنا: (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور: 39] ، وهكذا روي عن أبيّ بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة وغير واحد، وفي الصحيحين أنه"يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من ولد، ماذا تبغون؟ فيقولون: يا رب عطشنا فاسقنا، فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فينطلقون فيتهافتون فيها". وهذا المثال، مثال لذوي الجهل المركب، فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم الطغام الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون، فمثلهم كما قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ) ، قال قتادة: (لجي) هو: العميق، (يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) أي: لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد، الذي لا يعرف حال من يقوده ولا يدري أين يذهب به، كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال معهم، قيل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت