فهرس الكتاب
قال الله تعالى مخبرًا عن مقالة أهل الكفر: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) [الزخرف: 22] ، ووجه الدلالة من هذه الآية: أن المشركين قد احتجوا على الرسل بدعوى باطلة، وهي تقليد الآباء والأجداد في ارتكابهم الشرك، وجعلوا ذلك عذرًا لهم في جهلهم دعوة التوحيد، فلم يقبل الله تبارك وتعالى منهم هذا الاعتذار بالتقليد والجهل، كما قال تعالى في غير موضع من القرآن: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) [لقمان: 21] ، وقال تعالى أيضًا: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) [البقرة: 170] ، وقال أيضًا: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) [المائدة: 104] ، وقد استدل المفسرون بهذه الآيات على عدم اعتبار التقليد والجهل عذرًا للمقلد والجاهل بالتوحيد، وهذا عام في كل من جهل التوحيد من الكفار والمشركين، وليس خاصًا بمن نزلت فيهم الآيات؛ فالعبرة بعموم اللغظ لا بخصوص السبب، وإليك أقوال العلماء التي تدل على هذا.
يقول القرطبي رحمه الله في حديثه عن التقليد: (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) [الأعراف: 173] بمعنى لست تفعل هذا ولا عذر للمقلد في التوحيد" [1] ."
ويقول أبو بطين النجدي ناقلًا عن العلماء استدلالهم بهذه الآية على بطلان التقليد وعدم العذر بالجهل في التوحيد -يقول:"واستدلال العلماء بهذه الآية على أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله والرسالة، وحجة الله سبحانه قائمة على الناس بإرسال الرسل إليهم، وإن لم يفهموا حجج الله وبيناته" [2] يقول الإمام البيضاوي في تفسير الآية:"وقوله تعالى: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) [الزخرف: 23] تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن متقدميهم أيضًا لم يكن لهم سند منظور" [3] . ويقول البيضاوي في
(1) - القرطبي: (3/ 2755) ط/ الشعب.
(2) - الانتصار لحزب الله الموحدين: (ص44) .
(3) - تفسير البيضاوي: (2/ 406) ط/ العثمانية القديمة.