المبحث الثالث
ثالثًا: فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام الديار السعودية ورئيس اللجنة الدائمة رحمه الله تعالى.
فتوى في حكم أهل الفترة وهل يعذرون بالجهل
1 -يقول السائل: قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] وقد ورد في بعض الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن والديه في النار: السؤال: ألم يكونا من أهل الفترة وأن القرآن صريح بأنهم ناجون؟ أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب: أهل الفترة ليس في القرآن ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون، إنما قال الله جل وعلا: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] ، فالله جل وعلا من كمال عدله لا يعذب أحدًا إلا بعد أن يبعث إليه رسولا، فمن لم تبلغه الدعوة فليس بمعذب حتى تقام عليه الحجة، وقد أخبر سبحانه أنه لا يعذبهم إلا بعد إقامة الحجة، والحجة قد تقوم عليهم يوم القيامة، كما جاءت السنة بأن أهل الفترات يمتحنون ذلك اليوم، فمن أجاب وامتثل نجا ومن عصى دخل النار.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن أبي وأباك في النار"لما سأله رجل عن أبيه قال:"إن أباك في النار"فلما رأى ما وجهه من التغير قال:"إن أبي وأباك في النار"خرجه مسلم في صحيحه. وإنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ليتسلّى به، ويعلم أن الحكم ليس خاصًا بأبيه، ولعل هذين بلغتهما الحجة؛ أعني أبا الرجل وأبا النبي صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن أبي وأباك في النار"قالهما عن علم عليه الصلاة والسلام، لأنه لا ينطق عن الهوى، قال الله سبحانه وتعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 1 - 4] .
فلعل عبد الله بن عبد المطلب والد النبي صلى الله عليه وسلم قد قامت عليه الحجة لما قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، وكان علم ذلك مما عرفته قريش من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإنها كانت على ملة إبراهيم حتى أحدث ما أحدث عمرو بن لحي الخزاعي، حين تولى مكة وسرى في الناس ما أحدثه عمرو المذكور؛ من بث الأصنام والدعوة إلى عبادتها من دون الله، فلعل عبد الله قد بلغه ما يدل على أن هذا باطل، وهو ما سارت عليه قريش من عبادة الأصنام فتابعهم في باطلهم، فلهذا قامت عليه الحجة.