فهرس الكتاب
قال الله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [يونس: 39] .
يقول صاحب معارج القبول:"إن أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة: كفر جهل وتكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق؛ فأحدها يخرج عن الملة بالكلية"-إلى أن قال رحمه الله-:"وإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق فكفر الجهل والتكذيب، قال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ) وقال تعالى: (أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [النمل: 84] . أ. هـ [1] ."
وفي هذا يقول القاسمي في تفسير:"وسر التعبير (بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) الإيذان بكمال جهلهم به، وأن تكذيبهم به إنما هو بسبب عدم علمهم به. كذا في الكشاف وأبي السعود .." [2] .
ويقول الإمام الشوكاني مقررًا هذا المعنى:"قوله: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) فأضرب عن الكلام الأول، وانتقل إلى بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن قبل أن يتدبّروه ويفهموا معانيه، وما اشتمل عليه، وهكذا صنع من تصلّب في التقليد، ولم يبال بما جاء به من دعا إلى الحق، وتمسك بذيول الإنصاف، بل يرده بمجرد كونه لم يوافق هواه، ولا جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه، ويعلم مبناه، كما تراه عيانًا وتعلمه وجدانًا، والحاصل أنه من كذب بالحجة النيّرة والبرهان الواضح قبل أن يحيط بعلمه، فهو لم يستمسك بشيء في هذا التكذيب إلا بمجرد كونه جاهلًا لما كذب به غير عالم به، فكان بهذا التكذيب مناديًا على نفسه بالجهل بأعلى صوت، ومسجلًا بقصوره عن تعقل الحجج بأبلغ تسجيل، وليس على الحجة ولا على من جاء بها من تكذيبه شيء .. -إلى أن قال-: أي كذبوا به حال كونهم لم يفهموا تأويل ما كذبوا به ولا بلغته عقولهم، والمعنى أن التكذيب وقع قبل الإحاطة بعلمه، وقبل أن يعرف ما يؤول إليه من صدق ما اشتمل عليه من حكاية ما سلف من أخبار الرسل .." [3] .
(1) - معارج القبول شرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد للشيخ: حافظ بن حكمي (2/ 21 - 22) .
(2) - تفسير القاسمي: (9/ 36) .
(3) - تفسير فتح القدير للإمام الشوكاني: (2/ 446) .