المبحث الرابع
مناقشة معنى الاستتابة في باب الردة:
اعترض بعض من كتب في هذه المسألة على ما سبق أن قرره العلماء الأعلام في باب الردة من عدم اشتراط العلم ضمن الشرائط المعتبرة لإجراء الحكم على فاعل الردة باعتراض ملخصه:"أن هؤلاء العلماء نُقِل عنه ذكر الاستتابة، فظن هؤلاء أن الاستتابة تعني إعذار مرتكب الردة بالجهل وإقامة الحجة عليه قبل الحكم عليه بالردة".
جواب هذا الاعتراض:
نقول وبالله التوفيق: إن ذكر العلماء لموضوع الاستتابة ليس معناه اعذارًا منهم بالجهالة لمرتكب الكفر، وإقامة للحجة عليه قبل الحكم بكفره بل الاستتابة تدل على كفره إذ لو لم يكفر لما استُتيب، وخاصة في المسائل الظاهرة، إنما الاستتابة لإجراء حكم القتل، وإعطاء هلة للمرتد؛ عساه أن يرجع عن ردته، ومما يوضح ذلك عدة أمور.
1 -إن الفقهاء عبروا هذه التعبيرات الواضحة"استتابة المرتد"، فلو كانت الاستتابة تعني إعذاره بالجهالة، لما أطلقوا عليه حكم الردة قبل الاستتابة، وكذلك قول كثير من العلماء عقب كلامهم عن أفعال المرتد:"فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل"، وقولهم:"وتجب الاستتابة للمرتد قبل القتل"، فانظر كيف حكموا بكفره وردته قبل الاستتابة، ووضحوا علة الاستتابة بقولهم:"قبل القتل"ومنه قول صاحب العمدة"أما من كان ناشئًا بين المسلمين فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل" [1] .
2 -إن وجوب الاستتابة موضع خلاف بين الفقهاء، فهي مستحبة عند مالك والشافعي (وإحدى الروايتين عن أحمد) ، ورواية عن أبي يوسف وأبي حنيفة، وواجبة في أظهر الروايتين عند الإمام أحمد، كما ذكر ذلك صاحب"المغني".
فلو كانت الاستتابة من أجل إقامة الحجة قبل إطلاق حكم الكفر، لكانت واجبة عند الجميع، إنما مناط الخلاف بين الفقهاء، هل يقتل المرتد قبل أن يستتاب، فمن أوجب الاستتابة منع قتله قبلها، ومن لم يوجبها لم يمنع قتله من قبلها، مع استحبابه الاستتابة، مع اتفاق الجميع على تسميته مرتدًا كافرًا قبل الاستتابة، وقد نبه على هذا المعنى الشيخ عبد
(1) - راجع العدة شرح العمدة (2/ 37) .