فهرس الكتاب
العزيز بن حامد في معرض حديثه عن حكمة الاستتابة؛ وورودها في كتب الفقه، فيقول:"ونلاحظ هنا ملاحظة أن استتابة المرتد لم تكن لإقامة الحجة عليه، بمعنى دفع الجهل عنه؛ بل لإعطائه فرصة للرجوع عن ردته، وإلا فهي مستحبة وليست واجبة عند الجميع، وكل العلماء يقولون: استتابة المرتد، فكيف حكموا عليه بالردة قبل استتابته، إلا أن تكون استتابته لإعطائه فرصة للرجوع إلى الإسلام، ومن هذه الزوايا الثلاث لا مانع من أن يكون هناك شخص مشرك جاهل، رأى العلماء أنه سيقام له اختبار في عرصات يوم القيامة، وهذا المشرك الجاهل يجب إقامة الحجة عليه قبل قتله وليست قبل الحكم عليه" [1] .
ومما يشهد لذلك ما قاله الإمام أبو محمد بن أحمد العيني الحنفي في معرض حديثه عن المرتد، فيقول:"وفي (الجامع الصغير) : المرتد يعرض عليه الإسلام، حرًا كان أو عبدًا، فإن أبى قتل، وتأويل الأول أنه يستهل فيمهل ثلاثة أيام؛ لأنها مدة ضربت للإبلاء والإعذار، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يستحب أن يؤجله ثلاثة أيام، طلب ذلك، أو لم يطلب، على أن الإمام في قول الشافعي يؤجله ثلاثة أيام، ولا يحل له أن يقتله قبل ذلك لأن ارتداد المسلم يكون عن شبهة ظاهرة، فلا بد من مدة يمكنه التأمل فقدرناه بالثلاث .." [2] .
والشاهد من ذلك أنه حكم بردة من كفر عن شبهة، واستحب أن يؤجل للإعذار إليه قبل قتله، وليس قبل الحكم عليه، وهذا واضح من كلامه.
3 -وقد أشارت فتوى اللجنة الدائمة إلى هذا المعنى فأجابت على السؤال التالي:
السؤال: قال كل من يتقيد برسالة محمد صلى الله عليه وسلم واستقبل القبلة بالصلاة، ولو سجد شيخه لم يكفر ولم يسمه -مشركًا حتى قال: إن محمد بن عبد الوهاب الذي تكلم في المشركين، وفي خلودهم في النار إذا لم يتوبوا قد أخطأ، وغلط، وقال إن المشركين في هذه الأمة يعذبهم ثم يخرجهم إلى الجنة، وقال إن أمة محمد لا يخلد فيهم أحد في النار.
الجواب: كل من آمن برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسائر ما جاء به من الشريعة إذا سجد يعد ذلك لغير الله من ولي، وصاحب قبر، أو شيخ طريق يعتبر كافرًا مرتدًا عن الإسلام مشركًا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله، لكنه قد يعذر لجهله فلا تنزل به العقوبة حتى يُعلَّم، وتقام عليه الحجة، ويمهل ثلاثة أيام إعذارًا إليه ليراجع نفسه عسى أن يتوب، فإن أصر على سجوده لغير الله بعد البيان قتل
(1) - أضواء على ركن من التوحيد: (ص60) للشيخ عبد العزيز بن حامد.
(2) - البداية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العيني (5/ 850 - 851) .