المبحث الثامن
دعوى الإجماع في مسألة العذر بالجهل وعمومه في جميع المسائل
المعارضة الثامنة:
ادعى بعض من كتب في هذه المسألة أن الإجماع قد وقع على عذر الجاهل في الأصول والفروع، في عصر العلم وفي غير عصر العلم، وفي دار الإسلام وغيرها، ونقل عن الإمام ابن حزم قوله:
"وبرهان ضروري لا خلاف فيه وهو أن الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحد منهم، وهو أن كل من بدّل آية من القرآن عامدًا، وهو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك، أو أسقط كلمة عمدًا كذلك، أو رادّ فيها كلمة عامدًا فإنه كاف بإجماع الأمة كلها ثم إن المرء يخطئ في التلاوة، فيزيد كلمة وينقص أخرى، ويبدّل كلامه جاهلًا مقدرًا أنه مصيب، ويكابر في ذلك، ويناظر قبل أن يتبين له الحق، ولا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافرًا، ولا فاسقًا، ولا آثماُ، فإذا وقف على المصاحف أو أخبره بذلك من القراء من تقوم الحجة بخبره، فإن تمادى على خطئه، فهو عند الأمة كلها كافر بذلك لا محالة، وهذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة ..." [1] .
الجواب عن هذه الدعوى:
قبل أن نشرع في الجواب عن هذه الدعوى، نذكر تعريفًا موجزًا للإجماع، الإجماع لغة. يطلق على العزم على الأمر، قال تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) [يونس: 71] .
الإجماع اصطلاحًا: اتفاق أهل الاجتهاد في الشريعة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على أمر من الأمور الدينية [2] .
والمراد بأهل الحل والعقد مجتهدي الأمة؛ وعلى هذا فاتفاق العوام والجهال لا يعد إجماعًا ويقول الشيخ محمد أبو زهرة:
(1) - العذر بالجهل عقيدة السلف (ص84) .
(2) - راجع تعريف الإجماع وحجته وأقسامه في رسالة معالم أصول الفقه عند السلف محمد بن حسين الجيزاني (ص163) وما بعدها ط/ دار ابن الجوزي.